الوطن ليس رقعةً من الأرض نعيش فوقها، ولا حدودًا ترسمها الخرائط؛ الوطن حكايةُ حبٍّ تسكن في أعماقنا، وذاكرةُ عمرٍ تمتدّ جذورها في تربة الأجداد، وتكبر معنا جيلاً بعد جيل. هو المكان الذي منه بدأنا، وفيه عرفنا معنى البيت، ودفء الأهل، وملامح الطفولة، وعبق الأزقة، وصوت الحياة وهي تنبض في تفاصيلها الصغيرة.
وطني هو تلك الأرض التي حملت خطى آبائنا وأجدادنا، وشهدت أحلامهم وكفاحهم، واحتفظت في ترابها بآثار الذين مضوا، لتظلّ شاهدةً على تاريخٍ صنعوه، وإرثٍ تركوه لنا أمانةً في أعناقنا. نحن أبناء هذه الأرض؛ منها نأخذ جذورنا، ومن تاريخها نستمد هويتنا، وعلى حاضرها نبني آمالنا، ولأجل مستقبلها نحمل مسؤوليتنا.
وفي العيد الوطني، لا نحتفل بالوطن بوصفه ذكرى عابرة، بل نستعيد علاقتنا العميقة به؛ علاقةً لا تُقاس بالكلمات، لأن الوطن يسكن في الوجدان قبل أن يسكن في المكان. نحب ماءه الذي ارتوينا منه، وهواءه الذي تنفّسناه، وأرضه التي حملت خطواتنا، وسماءه التي شهدت أفراحنا وأحزاننا. وكلما ابتعدنا عنه، أدركنا أن بعض الأماكن لا تُغادرنا وإن غادرناها؛ لأنها تتحول في داخلنا إلى وطنٍ دائم الحضور.
وطني، يا حكاية الأجداد التي نرويها للأبناء، ويا ذاكرة الأمس التي نصونها في حاضرنا، ويا أفق الغد الذي نرجو أن يكون أكثر ازدهارًا وأمانًا؛ لك منا الحب الذي لا يتبدّل، والوفاء الذي لا تنال منه السنوات، والعهد بأن تبقى جذورنا ضاربةً في ترابك، وأن تظل قلوبنا معلّقةً بك مهما اتسعت بنا الدنيا وتبدّلت الأيام.
في يومك الوطني، نرفع رؤوسنا اعتزازًا بانتمائنا إليك، ونستحضر كل من أسهم في بناء مجدك، وكل يدٍ عملت من أجل نهضتك، وكل قلبٍ أحبك بصدق. فالأوطان العظيمة لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بالإنسان، بالوفاء، والعمل، والعلم، والمسؤولية، وبإيمان أبنائها بأن الوطن ليس ما نأخذه منه فحسب، بل ما نقدمه له أيضًا.
كل عامٍ وأنت في القلب وطنًا، وفي الذاكرة تاريخًا، وفي الروح انتماءً، وفي المستقبل حلمًا يتجدد.
دام عزك يا وطني العظيم.
الدكتور سامي محمدسعيد المسلم

تعليقات
إرسال تعليق