حين تصبح الوسيلة تهمة


 حين تصبح الوسيلة تهمة

عن العلم والذكاء الاصطناعي وثقافة التشكيك
قبل أيام تابعت نقاش لا أحبذ أن أعطيه صفه لكي لا أخلق لدى البعض حساسية وشعورا سلبيا بأنه المقصود فيه، ولكن بعد مراجعة كافة التعليقات التي ولدها النقاش حول سحب جائزة أدبية لأحد الكتاب الكنديين من أصل الهاييتي نتيجة تقديمه عمل أعتمد فيه على الذكاء الصناعي متجاوز المعايير الأدبية و الشروط المحددة لمنح الجائزة، هذا الحدث ولد سلسلة من ردود الفعل بصورة عامة ولدى البعض لدينا والتي إرتأيت أن أكتب موضوعا أتطرق فيه ناقدا لموقف البعض لآرائهم التي كانت نقدية مشككة بصفة عامة بحيث أتناول الموضوع بصيغة علمية ومحيادة تماما، فمن المفارقات الغريبة في مسيرة الإنسان أن بعض الناس يرحّبون بنتائج التطور حين تخدم راحتهم، ثم يتحولون إلى حراسٍ على أبواب المعرفة حين يرون كاتبًا أو باحثًا يستخدم أدوات العصر الحديث في إنتاج عمله. فنحن الذين بدأ أسلافنا رحلاتهم سيرًا على الأقدام، ثم امتطوا الدواب، ثم ركبوا السيارات والقطارات، ثم الطائرات؛ لم يقل أحد إن الوصول بالطائرة إلى المكان المقصود أقل قيمة لأن الإنسان لم يمشِ إليه بقدميه!
أو وصله بشق الأنفس على ظهر الدواب، إن اختصار الطريق لا يلغي قيمة الوصول، كما أن تطور الأداة لا يلغي قيمة الغاية.
كان الإنسان قديمًا يقطع المسافات في أيام وليالٍ وأشهر طويلة، ثم جاء الحصان والدابة فاختصرا الزمن، ثم جاءت القاطرة والسيارة، ثم الطائرة، فأصبح ما كان يستغرق أسابيع يُنجز في ساعات. فهل أصبح الوصول أقل أهمية لأن الطريق أصبح أقصر؟ وهل ينبغي للإنسان أن يرفض الطائرة حتى يثبت أنه قادر على السير إلى وجهته مشيًا؟
هذه هي المفارقة نفسها في المعرفة.
كان الباحث يحتاج إلى أشهر وربما سنوات ليجمع عشرات المراجع، ويبحث في الفهارس والمكتبات، وينقل النصوص، ويقارن بينها، ثم يبني بحثه. أما اليوم فقد أصبح العالم المعرفي مفتوحًا أمامه بصورة لم تكن متاحة للأجيال السابقة. بضغطة زر يستطيع الوصول إلى آلاف الكتب والدراسات والمقالات والمصادر، وتساعده أدوات البحث الرقمية والذكاء الاصطناعي في تنظيم المادة، والمقارنة، والتلخيص، والترجمة، واكتشاف الروابط بين الأفكار.
فهل أصبح الباحث أقل علمًا لأنه امتلك أدوات أفضل؟
بالطبع لا.
المشكلة ليست في الأداة، وإنما في كيفية استخدامها.
فالذكاء الاصطناعي، شأنه شأن الإنترنت والمكتبة ومحرك البحث وبرامج الترجمة والتدقيق اللغوي، أداة من أدوات العصر. قد يستخدمها إنسان بوعي وعمق، فينتج عملًا متماسكًا غنيًا، وقد يستخدمها آخر استخدامًا آليًا كسولًا، فيخرج نصًا باردًا مكررًا لا روح فيه ولا فكرة.
والفارق بين الاثنين ليس في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في وجود العقل الذي يقف خلفه.
إن الكاتب الحقيقي لا يستمد قيمته من كونه كتب كل كلمة بمعزل عن أي أداة، وإنما من قدرته على امتلاك الفكرة، وفهمها، وتطويرها، ونقدها، وربط عناصرها، واختيار لغتها، وتحديد غايتها. أما الأداة فتظل أداة؛ تستطيع أن تساعده في جمع المادة، لكنها لا تستطيع أن تمنحه بالضرورة تجربته الإنسانية، ولا ذاكرته، ولا موقفه الفكري، ولا حساسيته الجمالية، ولا رؤيته للعالم.
ولهذا فإن اختزال العمل كله في سؤال: «هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟» هو في ذاته اختزال سطحي لقيمة العمل.
الأجدر أن يكون السؤال:
ما الفكرة التي يقدمها العمل؟ وما مصادرها؟ وهل معلوماته صحيحة؟ وهل تحليله متماسك؟ وهل أضاف شيئًا إلى القارئ؟ وهل استطاع صاحبه أن يحول المادة المتاحة إلى معرفة ذات معنى؟
هنا يكون النقد الحقيقي.
أما البحث عن «نواة التمر في روث الحمير»، كما يقول المثل الشعبي، لمجرد العثور على ثغرة صغيرة في نص طويل بهدف إسقاطه كله، فهذا ليس نقدًا معرفيًا، بل هو نوع من التصيد الذي ينشغل بالهامش عن المتن، وبالوسيلة عن الغاية، وبالخطأ الجزئي عن القيمة الكلية.
والناقد الحقيقي لا يبحث عن عثرة الكاتب لكي يسقطه، وإنما يبحث عن موضع الخلل لكي يصححه، وعن موضع القوة لكي يضيئه، وعن الفكرة لكي يحاورها.
هناك فرق هائل بين النقد الذي يبني والتشكيك الذي يهدم.
ومن المؤسف أن بعض المواقف تجاه الذكاء الاصطناعي تنطلق من تصور غريب مفاده أن الاستعانة بالتقنية نوع من العيب أو النقص أو حتى «الغش». ولو طبقنا هذا المنطق على سائر مجالات الحياة لكان علينا أن نرفض الآلة الحاسبة لأن عالم الرياضيات القديم كان يحسب بيده، وأن نرفض الكمبيوتر لأن الكاتب القديم كان يستخدم الورق والقلم، وأن نرفض السيارة لأن أجدادنا كانوا يسيرون على أقدامهم!
التطور العلمي في جوهره هو تراكم الأدوات التي توسع قدرة الإنسان.
والإنسان لم يتطور لأنه أصبح أقل اعتمادًا على الأدوات، بل لأنه أصبح أكثر قدرة على ابتكارها واستخدامها.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن نذهب إلى الطرف الآخر ونبرئ كل إنتاج يستخدم الذكاء الاصطناعي. هناك بالفعل من يجعل الآلة تفكر عنه وتبحث عنه وتكتب عنه، ثم يضع اسمه في نهاية النص وكأنه صاحب تجربة فكرية كاملة. وهؤلاء غالبًا ما يكشفهم النص نفسه؛ لأن النص قد يكون صحيح اللغة لكنه فقير الفكرة، كثير المعلومات قليل المعرفة، مرتبًا في شكله مضطربًا في جوهره.
وهنا يظهر الفارق بين من يستخدم الذكاء الاصطناعي ومن يستبدل عقله بالذكاء الاصطناعي.
الأول يستخدم التقنية لكي يوسّع قدرته.
والثاني يستخدمها لكي يتخلص من مسؤولية التفكير.
الأول يبقى هو صاحب المشروع الفكري، يستفيد من الآلة ثم يراجع ويناقش ويصحح ويضيف ويحذف ويعيد بناء النص.
أما الثاني فيسلم عقله للآلة ثم يستلم منها نصًا جاهزًا لا يمت لصاحبه بأي رابط.
ولذلك فإن المستقبل لن يكون بالضرورة للكاتب الذي يرفض الذكاء الاصطناعي، ولا للكاتب الذي يستسلم له، وإنما للكاتب الذي يعرف كيف يجعل التقنية في خدمة العقل، لا العقل في خدمة التقنية.
وهنا نصل إلى قضية أخرى أكثر عمقًا: لماذا يصر بعض الناس على التقليل من شأن كاتب أو أديب أو باحث له تجربة طويلة وباع عميق في الكتابة والتأليف والأبحاث، بدلًا من مناقشة ما كتب؟
ربما لأن مناقشة الفكرة تحتاج إلى معرفة، بينما التشكيك في صاحبها لا يحتاج إلا إلى عبارة.
من السهل أن تقول: «هذا كتبه الذكاء الاصطناعي».
لكن الأصعب أن تقول: «هذه الفكرة غير صحيحة لأن المصدر الفلاني يناقضها، وهذا الاستنتاج يحتاج إلى دليل، وهذه الفقرة تحتاج إلى تعديل».
الأولى اتهام، والثانية نقد.
الأولى لا تحتاج إلى جهد معرفي كبير، أما الثانية فتتطلب قراءة وفهمًا ومقارنة وتحليلًا.
ولهذا فإن الكاتب لا ينبغي أن يخشى من الناقد الذي يناقش أفكاره، بل عليه أن يرحب به؛ لأن المعرفة لا تنمو بالتصفيق، وإنما بالحوار والاختلاف والتصحيح. لكن عليه في الوقت نفسه ألا يسمح بأن يتحول النقد إلى محاولة لإلغاء تجربته أو مصادرة حقه في استخدام أدوات العصر.
فالكتاب أو البحث ليس شهادة في «العمل اليدوي» حتى نقيس قيمته بعدد الساعات التي استغرقها صاحبه في البحث، وإنما قيمته في ما الذي أضافه إلى وعي الإنسان.
قد يقضي شخص عامًا كاملًا في كتابة عشر صفحات لا تقول شيئًا جديدًا، وقد يقرأ آخر مئات الصفحات ويستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي في تنظيمها ثم يقدم دراسة مركزة تفتح للقارئ نافذة جديدة على الموضوع.
أي العملين أكثر فائدة للقارئ؟
السؤال هنا ليس عن عدد ساعات العمل، وإنما عن ثمرة العمل.
لقد تغير مفهوم الجهد نفسه.
كان الجهد في الماضي مرتبطًا إلى حد كبير بالوقت المبذول في الوصول إلى المعلومة. أما اليوم فأصبح التحدي الأكبر هو القدرة على التمييز بين المعلومات، والتحقق منها، وفهمها، وتركيبها، وتحويلها إلى معرفة مفيدة لبني البشر.
وهذه مهمة عقلية لا تستطيع الآلة أن تلغيها عن الإنسان.
بل ربما أصبح الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى قدر أكبر من التفكير النقدي؛ لأن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة. أصبح من السهل إنتاج النص، لكن الأصعب هو إنتاج المعنى وخدمة الفكرة من خلال الطرح المتكامل.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس:
«هل استخدمت الآلة؟»
بل:
«ماذا فعل عقلك بما أعطتك الآلة؟»
هذه هي المسألة.
فالآلة تستطيع أن تعطيك آلاف المعلومات، لكنها لا تعفيك من مسؤولية التحقق منها. تستطيع أن تقترح لك بناءً، لكنها لا تمنحك بالضرورة رؤية واضحة ودقيقة. تستطيع أن تساعدك في اللغة، لكنها لا تخلق لك تجربة إنسانية نابعة من ذاتك. تستطيع أن تجمع لك المادة، لكن تحويل المادة إلى فكرة متماسكة يبقى عملًا إنسانيا فكريًا مناط بصاحبها.
ولهذا ينبغي أن ننتقل من ثقافة اصطياد الوسيلة إلى ثقافة محاكمة النتيجة.
ناقشوا النص.
دققوا المعلومات.
اختبروا المصادر.
حللوا الأفكار.
اكشفوا التناقضات.
صححوا الأخطاء.
اقترحوا البدائل.
لكن لا تجعلوا مجرد استخدام أداة حديثة تهمةً تسقطون بها عملًا كاملًا.
فالعالم لم يتقدم لأن الإنسان بقي متمسكًا بالطريقة القديمة، وإنما تقدم لأنه استفاد من كل أداة جديدة وأضافها إلى قدرته على التفكير والعمل.
وكما لم تعد السيارة عيبًا لأنها تختصر الطريق، ولم تعد الطائرة نقصًا لأنها تختصر المسافة، فإن الاستعانة بالتقنية في البحث والكتابة ليست عارًا في ذاتها.
العار الحقيقي ليس أن يستخدم الإنسان أدوات عصره، وإنما أن يتخلى عن عقله وهو يستخدمها.
أما الكاتب الذي يقرأ، ويفكر، ويبحث، ويتحقق، ويكتب، ويعيد الصياغة، ويناقش، ثم يستعين بالتقنية لتوسيع أدواته وتسريع عمله، فلا ينبغي أن يُسأل لماذا استخدمها بقدر ما ينبغي أن يُسأل:
ماذا صنع بها؟ وماذا أضاف؟ وماذا ترك للقارئ بعد أن يطوي الصفحة؟
فهناك من يمشي طويلًا ولا يصل، وهناك من يركب الطائرة فيصل.
القيمة ليست في عدد الخطوات التي قطعتها، وإنما في الوجهة التي بلغتَها.
والزمن الذي كان يستغرقه الإنسان للوصول إلى المعرفة ليس معيارًا لقيمة المعرفة نفسها؛ وإلا لكان علينا أن نعيد اختراع العجلة كلما أردنا أن نثبت أننا مثقفون.
لقد تغيرت الأدوات، وينبغي أن تتغير معها طريقة تفكيرنا.
أما العقل، والضمير، والموهبة، والتجربة، والقدرة على إنتاج المعنى، فهذه أشياء لا تختصرها ضغطة زر.

تعليقات