ليست القيود جميعها مرئية.
بعضها يدخل الروح مبكرًا، يستقر في طبقاتها العميقة، ويتقن التنكر حتى نظنه جزءًا من طبيعتنا. نكبر معه، ونمنحه أسماء مطمئنة: الواجب، السمعة، الوفاء، التضحية، ثم نحتاج زمنًا طويلًا كي نكتشف أن شيئًا من حريتنا ظل معلقًا خلف تلك الكلمات.
من هذه المنطقة الملتبسة تدخل حنين الصايغ في روايتها «ميثاق النساء».
لا تبدأ الرواية من مواجهة مباشرة بين امرأة ومجتمع، وإنما من الشق الذي يتكوّن داخل المرأة نفسها، بين ما تربت عليه وما بدأت تشعر أنه لا يشبهها. ومن هنا تكتسب شخصية أمل أبو نمر ثقلها؛ فهي تنهض من قلب منظومتها، محملة بلغتها وذاكرتها وخوفها، وتحاول أن تصنع لنفسها جهة لم ترثها كاملة عن أحد.
القرية هنا ليست موضعًا جغرافيًا فحسب، وإنما عين تظل مفتوحة في الداخل بعد غياب الوجوه، وصوتًا يواصل مساءلة الإنسان بعد ابتعاده عن مصدره.
أما بيروت فلا تمنح الحرية جاهزة، وإنما تمنح احتمالها.
وهنا تكمن تجربة أمل؛ فالحرية ليست بابًا يُفتح وينتهي الأمر، وإنما معرفة بما يقف خلفه، وبالثمن الذي يطلبه العبور. يستطيع الإنسان أن يغادر حدوده بجسده، فيما تواصل تلك الحدود حياتها داخله.
أشد ما يتغلغل في الرواية ليس القمع في صورته المباشرة، وإنما الخوف بعد أن يفقد صاحبه الخارجي: أن يغيب الرقيب ويبقى صوته، أن يصبح المنع ذاكرة، ويتحول المجتمع إلى إحساس شخصي بالذنب.
ويتسع السؤال هنا: ما الذي تصنعه السلطة بالوعي بعد سنوات من الخضوع لها؟ وأي مقدار من الذات يبقى صافيًا بعد أن تتكاثر داخله أصوات الآخرين؟
ويمتد هذا السؤال عبر نساء الرواية؛ الجدة، الأم، العمة، أمل، والابنة، كأنهن طبقات متراكمة، تحمل كل واحدة منها شيئًا لم يُحسم تمامًا.
فالنساء لا يورثن بناتهن الوقائع وحدها؛ ثمة ميراث أقل ظهورًا: طريقة الخوف، طريقة الصمت، مقدار الاحتمال، والإحساس بالواجب. وقد لا تعيش الابنة حياة أمها، لكنها تستطيع أن تحمل أثرها.
عند هذه المنطقة تحديدًا ينفتح عنوان الرواية على معناه الأبعد.
الميثاق ليس عهدًا معلنًا، وإنما معرفة سرية تتداولها التجارب؛ ألم امرأة يتعرف إلى ألم أخرى، وإن اختلفت الحكايات.
وتحمل الأمومة واحدًا من أكثر أسئلة الرواية التباسًا: كيف تنقذ المرأة نفسها من غير أن تشعر بأنها تخون من تحب؟ وكيف تحتفظ بأمومتها من غير أن تذيب ذاتها داخلها؟
ويظهر الجسد بوصفه أحد المواضع التي تُكتب عليها قوانين الجماعة: السمعة، الزواج، الرغبة، الأمومة، ونظرة الآخرين. واسترداد المرأة لجسدها يصبح جزءًا من استرداد حقها في تعريف نفسها.
وتأتي البيئة الدينية والاجتماعية الدرزية لتمنح الصراع خصوصيته، من غير أن يتحول النص إلى وثيقة عن الطائفة. فالسؤال أوسع: ماذا يحدث حين تتشابك في وعي الشخصيات حدود الديني والموروث الاجتماعي، حتى يغدو الفصل بينهما أكثر صعوبة؟
بعض القيود لا تقدم نفسها بوصفها قيودًا، وإنما بوصفها حماية. الأب يظن أنه يحمي، والعائلة ترى أنها تصون، والجماعة تعتقد أنها تحفظ تماسكها. غير أن الأسماء المطمئنة لا تلغي قسوة الأثر.
ويظهر الأصل الشعري لحنين الصايغ في علاقتها بالمكان والذاكرة؛ فالجبل والطريق والقرية لا تبقى أمكنة محايدة، وإنما تدخل الوعي محملة بما حدث فيها، حتى يبدو المكان نفسه شاهدًا صامتًا على ما حاولت الشخصيات تجاوزه.
بعد الصفحة الأخيرة، لا يبدو السؤال: هل تحررت أمل؟
السؤال أبعد من ذلك؛ أي صوت بقي لها خالصًا بعد أن عبرت فيه أصوات العائلة والقرية والخوف والذاكرة؟
تضع «ميثاق النساء» يدها على اللحظة التي ينكشف فيها القيد بعدما عاش طويلًا بهيئة مألوفة. ومنذ تلك اللحظة لا يعود الوعي إلى براءته الأولى؛ فالمعرفة تشق في الجدار نافذة، وإن بقي العبور مؤجلًا.
ربما لا تبدأ الحرية بالخروج، وإنما بتلك الرجفة الأولى التي تصيب ما اعتدناه، حين يفقد اسمه القديم ويظهر على حقيقته.
وهنا يظل الميثاق مفتوحًا بين النساء؛ شيء يعبر من جيل إلى جيل، يحمل الوجع وأثر النجاة معًا.
فبعض ما يسكننا لم يبدأ بنا؛ غير أن رؤيته للمرة الأولى قد تكون أول شرخ في جدار الميراث.
نازك الخنيزي

تعليقات
إرسال تعليق