القاتل


 القاتل

سراج أبو السعود

13-9-2026

مهندس المطبخ كان ذميمًا، ومطبخهم فيه عيب، رأيت في التيراميسو «ذبابة»، الشاورما فيها شوية سم، والطبيب الفلاني رديء. أحكامٌ يمنح بعض الناس أنفسهم الحق في كتابتها في تقييمات «Google»، لا لإثبات رأيهم لأنفسهم فحسب، بل لكل من تسوّل له نفسه أن يبحث عن ذلك المطعم أو المحل أو المستشفى. بضعة أسطر لا تستغرق كتابتها دقيقة، لكنها قد تبقى سنوات، وقد تقطع رزق إنسان أو تلاحق طبيبًا في مستقبله المهني. ثم سيقول قائل: وهل ينبغي لنا أن نصمت ولا نعبّر عن آرائنا يا سراج؟! بالطبع لا؛ فمن حق الإنسان أن ينتقد، ومن حق الآخرين أن يعرفوا تجربته، لكن هذا الحق يحمّله مسؤولية أن يتحلى بأعلى درجات المصداقية والإنصاف، وأن يفرّق بين خطأ عابر يستحق التنبيه، وتقصير يستحق النقد، وغش يستوجب التحذير. فالإنسان قد يخطئ غفلةً أو نسيانًا أو جهلًا، وقد يكون التنبيه كافيًا لإصلاح خطئه؛ فلا ينبغي أن نجعل عقوبة الخطأ أكبر من الخطأ نفسه.

هناك طبيعة من البشر تعشق الفظاظة والنفخة باسم استرداد الحق، وحين يجلس صاحبها في مجلس يدور حديثه غالبًا حول بطولاته في انتزاع حقوقه، وكيف أنه لم يستطع أحد مجابهته. فإذا لاحظ خطأً في مطعم، لا يتحدث بهدوء مع صاحبه ويخبره بملاحظته، بل يشهّر به في كل موقع ومجلس، وإذا اشترى مطبخًا أو أثاثًا ووجد ملاحظة بسيطة، هوّل الأمر حتى يصبح العيب الصغير كارثة، وقد تقوده المبالغة إلى ظلم التاجر وتسقيطه. ولأعترف لك، سيدي القارئ، بأنني لم أجد إلا نادرًا من يتحلى بالحياد التام والإنصاف؛ فالإنسان إذا كان مخطئًا، صغّر خطأه في أذن المستمع حتى يكاد لا يُرى، وإذا أخطأ غيره، نفخ في خطئه حتى يملأ المجلس. لذلك حين تجد من يتحدث عمّن أساء إليه بإنصاف وصدق، فاعلم أنك رأيت ملاكًا على هيئة بشر؛ فاتخذه خليلًا، فهذه الكائنات نادرة.

حينما تبدي رأيك، سيدي القارئ، في خانة التعليقات على مطعم أو «كوفي شوب» أو أي محل تجاري، تذكّر أن الكلمة في الإنترنت أطول عمرًا من المناسبة التي قيلت فيها. قد يخطئ التاجر اليوم ويصلح خطأه غدًا، بينما يبقى تعليقك بعد عام يعاقبه على خطأ لم يعد موجودًا، ويصدّ عنه زبائن لم يشهدوا تجربتك أصلًا. وليس كافيًا أن تقول: «أنا نقلت ما حدث وأبرأت ذمتي»؛ فالذمة لا تبرأ بالمبالغة، ولا باستمرار الضرر بعد زوال سببه. اتقِ الله في كلمتك، وكن دقيقًا ومنصفًا، وإذا أصلح صاحب العمل خطأه، فمن الإنصاف أن تصلح أنت أيضًا ما كتبته عنه. والغريب أننا نستثقل الاعتذار عن كلمة نقولها لإنسان، ثم نستسهل كتابة كلمة يقرؤها آلاف الناس عنه. ليس المطلوب أن تصمت عن الخطأ، بل أن تعدل في وصفه، وأن تتذكر أن زر «النشر» لا يعرف الندم؛ فلا تقتل إنسانًا بكلمة وأنت تظن أنك كتبت مجرد تقييم.

https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/09/blog-post_13.html

https://www.facebook.com/share/p/1HKm5rKQnm/

https://x.com/Qatif_news/status/2099134767501357444


تعليقات