#خاطرة_الجمعة « مشاعر مخفية »

 


#خاطرة_الجمعة « مشاعر مخفية »

هناك مشاعر عدة لا نذوقها: شعور اليتم لا يذوقه إلا اليتيم .. شعور فقد البصر .. شعور الثكل .. شعور الجوع .. شعور الوجع .. الله ألطف بنا .. ولا بد من المشاركة في الحياة، والاحساس بمشاعر الآخرين، حتى لا يستحيل الإنسان إلى جلمود من الصخر .. وتجف في قلبه ينابيع الإنسانية، وبالتالي يجف هذا القلب عن نسائم السعاده نفسها؛ فالسعادة ليست اللذة والترف المادي .. كل ذلك يبهت .. ولكنها بالدرجة الأولى شعور القلب .

الحياة تقدم لنا شرائح إنسانية، تجعلنا نحس بالحالات التي لم نذقها في الواقع، ولكنها منتشرة، قد تصيبنا، وقد تكون في جار لنا أو قريب، أو عابر سبيل تجمعنا به أواصر الإنسانية .. فالحياة تجعل الإنسان أقرب إلى الإنسانية الكاملة .

نحس أننا أمام أبائنا وأمهاتنا، وأمام أبنائنا وبناتنا - إذا كان لنا أولاد - نحس أن الشعور مشترك، والرابطة واحدة، والقلب هو نفس القلب .. هذا يجعل بيننا مشاعر مودة ورحمة وإحساس الآخر، وهذا يعمق بيننا شعور المشاركة في الآمال والآلام  .. هذه الحياة، تخرجنا من الغفلة والتبلد، ربما تحزننا وتقلب مشاعرنا  .. الحياة قيمتها الحقيقية أن نتفاعل معها .. نتفاعل مع رفاق الدرب .. بعيدًا عن العزلة .. بعيدًا عن الضحكات الجوفاء .. فليس من طبيعة الإنسان أن يغض الطرف والقلب عن الحقائق المشتركة في هذه الحياة، ويغلق بابه على سعادته ويراقب صغيرته وهي تأكل الطعام في مرح ظانًا أن هذا كل شيء .. هناك القريب والجار والصديق إذا لم نفهم مشاعرهم وظروفهم التي يمرون بها عشنا معزولين .. الحياة في الواقع تساعدنا على فهم تجاربهم وتعطينا عمق المشاركة، وقبل هذا وبعده تجلو لنا خفايا الحياة .

على أية حال، يعنينا ممّا تقدّم، أن نشير إلى سمة اجتماعية للأسف موجودة على نطاق واسع، تستوجب أن نقف عندها، وهي عدم التحسس بآلام ومعاناة الآخرين، وتعطيل مدلول التآخي في الله الذي لا يتحقق وجوده إلا بترابط القلوب التي تجمعها العقيدة الواحدة، وكذلك عدم المشاركة في الآمال والآلام .. وهنا لا بد من المؤمن احترام مشاعر أخيه المؤمن، والاهتمام بأحاسيسه . ففي هذا الجانب جاء قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ».كلّ هذا يؤكد أن رضا الله وثوابه لا يتحصّل إلا بحسن الخُلق والتعامل .. التعامل مع الناس ومراعاة مشاعرهم .

 نحن نعيش في الوقت الحالي مرحلة تحوّل كبير في مشاعرنا وأحساساتنا تجاه شريحة من مجتمعنا التي تئنّ تحت وطأة الوجع والحاجة، وفي مستوى معيشي قد لا تتوفر فيه حتى ضرورات الحياة الكريمة، والكثير من أفراد مجتمعنا ينأى بنفسه عن تفقد أوضاع تلك الأسر ومساعدتهم، فأين أصحاب النزعة الإنسانية التي تحس بآلام الآخرين، وتظهر كرامتهم الإنسانية ؟ وأين المعاني الأنسانية والقيم الروحية التي تربّينا عليها؟ وأين العطاء والسخاء، وتحمل المسؤولية الإجتماعية؟ الإجابة على مثل هذه التساؤلات تشير إلى تقصير الإنسان بأمر أخيه الإنسان، فالناس - كما يقول الإمام علي عليه السلام : « أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق » .

وعندما تقفل أبواب الرحمة ومشاعر المودة، والإحساس بالآخر، تصبح حياتنا خالية من المعاني الإنسانية، والقيم الروحية والمبادىء السامية، ومحصلة كل ذلك هو الإبتعاد عن رحمة الله تعالى بجميع صورها .

وفي نهاية هذه الخاطرة أريد أن أشير إلى سلوك بالغ الغرابة، لا أدري كيف يرضاه أصحابه لأنفسهم لأنه يفتقد إلى الرحمة والشفقة .. فهناك أناس يعيشون معنا، وينعمون بخيرات الأرض الطيبة، وهم من أفراد مجتمعنا المؤمن وبلدنا المعطاء ؛ لكنهم في عالم يختلف عن عالمنا، لا يعطون للإنسانية وللعاطفة قدرًا من الأحاسيس والمشاعر .. نعم هؤلاء فقدوا كل المعاني الأنسانية . في هذا العصر أصبح الإنسان عبدًا للمادة تملك عليه عقله وتفكيره . من هنا كان لزامًا أن أشير إلى قضية يشكو منها الكثير من الناس وعلى وجه الخصوص البسطاء من مستأجري المحلات التجارية الصغيرة، بعض ملاك العقار ماديون لا يخدمون إلا مصالحهم ومصالحهم فقط . صاحب العمارة مشاكس لا يفتأ يهدد المستأجرين برفع الإيجار بين آن وآخر . ماذا يعني رفع الإيجار لمحل خضار وفواكه؟ الكل يعرف أن الخضار والفواكه سريعة الفساد والتلف، في أكثر الأيام يخسر معظم بضاعته، في حين أن صاحبنا المشاكس يعرف أن الوضع السوقي لا يسمح له برفع الإيجار !! هذا ابتزاز ..  فما الذي حدث ؟ قرر الرجل إخلاء المحل قبل انقضاء عقد الإيجار بأربعة شهور، رجل قد تخطى سن الستين، يعيل عائلة، وله أعوام طويلة في بيع الخضار، رجلًا طيب القلب تعاملت معه أكثر من ثلاثين عامًا، عمل وصبر وثابر من أجل توفير لقمة العيش لمن يعولهم .. عائلته تعاني من فقر الدم المنجلي، وبسبب هذا الاعتلال فقد أحدى بناته في عمر الزهور منذ ست سنوات، سألته هل تنوي الإنتقال إلى مكان آخر؟ بقى حائرًا لا يدري ماذا يجيب .. ثم رد عليّ لا أدري، إن ما احصل عليه من المحل يكاد يكفي أسرتي، فكيف لي الإستمرار بعد رفع الإيجار، هذا وضع صعب !! فما عساني أن أفعل؟! تكاليف المعيشة صعبة .. والإيجارات مرتفعة . هو إنسان قبل كل شيء، له مشاعر واحاسيس .. وهذا وحده كاف لتخفيف عن أعبائه الحياتية .

وأقول لكل صاحب ضمير حي، إذا أردت أن تكون موفقًا في الحياة، لا بد أن تمتلك منبعًا كبيرًا من المشاعر والعواطف تجاه الناس . نعم أصبح كثير من الباعة أمثال هذا الرجل يجوبون الأسواق طولًا وعرضًا متعبين يائسين .

في هذا العصر المادي وفي مثل هذه الأجواء الفاسدة، لقد تحولت القلوب الرحيمة إلى قلوب قاسية، والنفوس الرقيقة إلى نفوس غليظة .. نعم بدأت الحياة في هذا الزمن تتحول إلى وضع سيئ بعد ما كانت تفيض بالخير والإحسان، وتنضح بالرأفة والرحمة .

وأخيرًا ، وبعد هذا النموذج الحي الذي يمكن الاستشهاد به في عدم التحسس بآلام ومعاناة الآخرين، نقول: لعل في هذا النموذج درسًا لعالمنا المعاصر الذي قلت فيه الرحمة، وضعفت فيه الشفقة، وضاعت فيه الرأفة، وكثرت فيه القسوة، واشتدت فيه مظاهر الغلظة، وتعددت فيه صور الإنحراف .. في عصرنا هذا عصر الماديات الذي لا يترك فيه القوي حقًا لضعيف إشفاقًا عليه ولا يمسح فيه الغني دمعة الفقير رحمة به . نسأل الله الرحمن الرحيم أن يجعلنا من عباده الرحماء، وأن يجمعنا مع الرسول الأعظم وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين .


-- اللهم أرحم من توسدت أجسادهم الاكفان، واجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة، وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار.

 طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد . 

________

-- ما أحوجنا اليوم قبل الغد إلى غرس كل تلك القيم الإنسانية وسط مجتمعنا، وفي عالم تسوده حماقات الساسة وعزة أهل القوة المادية، فهو عالم يموت فيه فاقد " الحاجة "على قارعة الطريق، كما يموت فيه في ذات الوقت مالك " الحاجة "  فميتة الفاقد بسبب العجز والجوع والمرض والعوز والفاقة، وميتة المالك سببها التخمة التي كسبها على حساب فاقدها، وما شبع غني إلا على حساب فقير !!

محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .

https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/09/blog-post_111.html

https://x.com/Qatif_news/status/2098033168930533862

https://www.facebook.com/share/p/1GqsNeAS1x/

https://www.facebook.com/share/p/1BgdEKseCh/


تعليقات