مجلس علي باقي.. احبابٌ رحلوا

 


مجلس علي باقي.. احبابٌ رحلوا

سراج ابو السعود

24-4-2026

في سبعينات القرن الماضي، كان منتخب البرازيل هو الفريق الذي لا يُغلب، حتى نشأ جيلٌ كامل في العالم مفتونًا بسحر الكرة البرازيلية. وفي بيتنا، ومع بدايات الثمانينات، ترسّخت في ذهني صورةٌ معلّقة لنجوم البرازيل؛ هناك كان زيكو وسقراط، وفالكاو وجونيور وإيدير. وكان روّاد مجلسنا، في أغلبهم، برازيليي الهوى، يتقدّمهم عبدالرسول مكي السنان، وعبد الرحمن القصّاب (شمروخ)، وأبو فايز المصوّف رحمهم الله، وقائدهم الوالد حفظه الله، إلى جانب الأعمام. 

ومن الكلمات التي لا تزال ترنّ في أذني لأبي فايز المصوّف رحمه الله، والتي قالها تندّرًا: “اللي ما يشجّع البرازيل بيروح النار”. كان من المفترض أن أكون برازيليّ الانتماء كغيري، لكن شيئًا ما تغيّر. ظهر لاعبٌ أرجنتيني قصير القامة، قويّ البنية، سحر الألباب بفنّه؛ إنه دييغو مارادونا. ذلك الاسم الذي لم يكن مجرّد لاعب، بل ظاهرة قلبت موازين القلوب، فقاد كثيرًا من جيل الثمانينات إلى الضفّة الأخرى… وهكذا وجدتني أرجنتينيّ المنتخب، اتحاديّ النادي… ثم ماذا؟!

ثم إنّ تعدّد الأحزاب لم يكن مسموحًا به في مجلسنا؛ البرازيل وكفى. كانت البرازيل تُطربني، غير أنّ الأرجنتين أخذت في الصعود، حتى انتزعنا كأس العالم عام 86، ثم بلغنا النهائي في 90، حيث أُقصينا أمام ألمانيا بظلمٍ تحكيمي. وفي ذلك الجو، تشكّلت نواة مشجّعي الأرجنتين التي أفصحت عن توجّهها: المرحوم علي القرعان، والمرحوم علي التاروتي، ومعهما الأخوان سلمان الغريافي وعبدالعزيز خميس. وكانت الكفّة الأخرى في مجلسنا العامر تميل إلى البرازيل. 

أمّا على مستوى الأندية، فكان الغالب اتحاديين، لا سيّما وأن لاعبنا الرائع عثمان مرزوق كان يلعب فيه، عدا العمّين فؤاد وطارق اللذين كانا نصراويين، وسعيد سكير وسلمان الغريافي اتفاقيين، ويبقى عبدالرحمن شمروخ لاعب الهلال الكبير هلاليًا بلا شك، ومعه عبدالعزيز خميس. وفي ذلك المجلس الجميل، كان المرحوم أبو عبدالله القرعان فاكهة المجلس؛ حتى في جدلياته يمنحك كثيرًا من الظرافة. وكانت لي معه مكالمات هاتفية طويلة بعد كل انتصار للأرجنتين أو الاتحاد. وكنا، سويًا، نتعامل بحذرٍ شديد في الإفصاح عن سعادتنا بفوز الأرجنتين، باستثناء أبو حسين التاروتي، الذي كان بعيدًا كل البعد عن “التقية” بكل أشكالها. كان مجلسًا أنيسًا، يكفي لأن يمنح مرتاديه الكثير من أسباب السعادة والفرح… ثم ماذا؟

ثم إنّه، كلّما كبرنا، كلّما رُزِئنا بفقدِ من نحب. رحل عن مجلسنا وعالمنا عبدالرسول مكي، وعبد الرحمن شمروخ، ورحل احمد حميدي وأبو فايز المصوّف ومهدي محروس، وأخيرًا فقدنا روح المجلس التي كانت تملؤه سعادةً وفرحًا: أبو عبدالله القرعان.

في اتصاله الأخير معي، وقد أنهكه المرض، قال: “يا ليت الاتحاد يفوز؛ فبفوزه ترتفع مناعتي”. ولم يُمهله المرض إلا أيامًا قليلة، حتى ودّعنا إلى رحمة الله.

ما أقصر هذه الدنيا… إنّها باختصار: “غمض فتح”. مرّت بنا الأيام كحلمٍ سرعان ما ينتهي.

رحمكم الله جميعًا، يا أقرب الناس وأطيبهم… رحمكم الله جميعًا.

ترحَلَ أحبابي، فما الدورُ بعدهمُ

وإن شمخَ البنيانُ، إلا مقابرُ

سُدًى كلُّ ما في الأرضِ إلا أحبةً

تفيءُ إليهم إن أرمضتك الهواجرُ

فإن رحلَ الأحبابُ عنك وأبعدوا

فأنت غريبٌ، ما لديه أواصرُ

تعليقات