#خاطرة_الجمعة « كلمة « شكرًا » لاتكفي »
تعجز الأبجدية لقليل من الأحيان، عن إشباع لحظة إحساس، فما البال مع جموع الأحاسيس وجموحها في إعطاء كلمة الشكر لمن يستحقها تعبيرًا أكبر من حجم الشكر نفسه، يعجز اللسان عن أن يكون ذلك الرسول الكفؤ، المكلف حمل رسالة شكر، شاملة لكل حروف العرفان بالجميل، لمن يليق به وجدان النخوة والرجولة، كما تود العين أن تعكس كل أشعة الروح الدافئة بحفظ الجميل . ما الوسيلة، إذًا، حين تخوننا الكليمات، ولا تسعف تلبية الوجدان برد الجميل إلى أصوله عبر أبجدية جديدة ؟ وماذا لو كان الطرف الأصيل أيضًا لا ينتظر أساسًا كلمة شكرًا فهو جزء من معادلة رسالة الله على الأرض التي تحمل في فرضها واجب العطاء من دون انتظار المردود الدنيوي، وأيضًا تحمل تطهرها وخلاصها، كما تحمل أسس فنائها الدنيوي، إلى أن تتشكل في الحياة الأخرى بما يليق بأضلاع عطائها وخيرها وإنسانيتها، فترتسم عتبات جنة الخلود، ممن وهبهم الله عز وجل صفة الأبرار على وجه الأرض وحملهم الأمانة التي أبت السماء والأرض حملها .
الجهد والعمل ركنان لازمان للتفوق والنجاح، إلا أنهما وحدهما لا يكفيان، فلا بد من أن تترافق مع قيمة أساسية مطلوبة هنا، وهي الاستقامة والخلق القويم، هذه هي عناصر النجاح الحقيقية، فمن سيئات العصر الذي نعيشه وتداعياته وتحدياته ضغط الحياة وقسوة الأيام التي غيرت قيمنا الدينية والأخلاقية وجلبت لنا الشرور والدمار، ولعل الذي يحكم أخلاقيات أديب أو عالم أو فنان أو طبيب على وجه الدقة هي تلك الاستقامة .. القلب الحيوي في كل المهن الإنسانية . نحن نعيش في عصر تتغيّر فيه الأخلاق أو تتبدل، ولنتذكر وبشيء من التأمل ذلك الحديث الشريف: « إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق » .
الطبيب، المهندس، المعلم، المحامي، الموظف، الكاتب، الخطيب .. طاقات تغدق للمجتمع والوطن ثمارًا طيبة، وتساهم في النمو والتقدم، وكلها مهن ترتبط بقضايا الناس وأعمالهم اليومية، ولكل مهنة متطلباتها من حيث الجهد المبذول سواء ذهنيًا أو جسديًا . فمن المهن التي تتطلب مجهودًا فكريًا مثل المحاماة والتدريس، وهناك مهن تحتاج إلى التركيز والانتباه .. إذن ينبغي لكل صاحب مهنة أن يؤدي عمله بشكل دقيق، وبتركيز عال .. وعندما تتقن مهنتك وتقدم أفضل ما عندك، فأنت تستحق أن يقال لك " شكرًا " هذا على الأقل .. نعم تستحق تحية إكبار، وعرفان بالجميل، وامتنان عميق وحقيقي لما يضيفه إلى حياتنا من غنى، في ظل دنيا عامرة نعيشها، فيها الكثير والكثير .. ولكننا نحتاج فيها مع ذلك إلى فكر متنور ينير لنا الطريق وإن طال وعسر !!
نعم من يستحق الشكر والتقدير هو كل إنسان لديه أحساس ويبدل الكثير من الجهد والوقت من أجل أن يزرع قيم الخير في مجتمعه، ويدعم نهوض بلاده وإعزازها .. لا بد أن يشعر الشخص بشيء من السرور ورضا النفس بقيمة العمل الجاد الحاسم، ويردم فجوة التقصير الذي يعاني منها كثير من الناس .
تتداعى المعاني في ذهني عن مزايا المهن التي تمثل الإنسانية في أعلى درجاتها من السمو والكمال، سنشعر بقيمتها حينما نرى الجهد الواسع والإخلاص والبراعة في إنجازها.
خذ مثلًا الطبيب إذا كان جادًّا في عمله مهتمًّا بمرضاه، يستقبل المريض ويتعرف على حالته، ويبدأ مناقشته والاستفسار عن حالته المرضية، ليكون واثقًا من تشخيصه للمرض .. هذا الطبيب المثابر الذي شاعت خدماته الطبية وما جناه المرضى من عنايته الممتازة، نال حظًا من النجاح وعلى أعلى الدرجات، وقد جسد شخصية الطبيب الباحث العالم، الذي لا يعنيه سوى خدمة المرضى وتخفيف معاناتهم، يصح أن نطلق عليه بـ. « الطبيب الناصح » شرفٌ كبير جدًا أن يرتبط نجاحه بقضايا المجتمع وأولوياته، ومن الجميل أن يقال له: « أحسنت وبارك الله فيك » وأكثر وأكثر من ذلك !!
الذي يؤلمني جدًا أن أرى طبيبًا يعطي مبررات لخطأ طبي واضح كان يجب أن ينتبه له .. مبررات أقل ما يقال عنها أنها صادرة من شخص غير مسؤول، وإلا ما معنى أن يعمد الطبيب إلى إجراءات طبية خاطئة ربما نشأ عنها موت المريض أو ما شابه ذلك، ويصر على كلمة " خطأ " أي خطأ ناجم عن الاجتهاد، الذي يعينه على تهوين الأمر، ومن ثم التخلص من المحاسبة، نعم الطبيب يتذرع بخطأ طبي لتبرير موت مريض، فهو قد أبان أوجه النقص والقصور .
وفي حقل التعليم، نرى المعلم في مدارسنا لا يحضى بكلمات الشكر، رغم ضخامة العمل ودوره التربوي، فهو يُخرّج الأجيال التي تقود مستقبل الوطن .. نعم يحتاج المعلم لكلمات الشكر لكي يستكمل مسيرته التعليمية الوطنية الصحيحة.
ونرى في مكان آخر المعلم الذي يحضر الصف دون أن يحضّر الدرس الذي سوف يشرحه للطلاب، سيما الآن مع تجدّد المناهج، وتطور العلم والتقنية التعليمية، يحتاج المعلم إلى مواكبة ذلك حتى يفيد الطلاب .
والموظف المخلص يتسلم المعاملة من المراجع، ويدرسها بشكل دقيق، ويقوم بمعالجة النواقص إن وجدت، ومن ثم يعرضها على المسؤول للتأكد من سلامة العمل وإتقانه وصدق المواعيد وتحققها، ليصادق على مسارها القانوني، لتأخذ طريقها الصحيح إلى المراجع. وهي دعوة لكل موظف بمسؤوليته الوطنية، والتي تحمل كل المعاني الأخلاقية والإنسانية . وهناك الموظف الملّوثُ عقلًا ووجدانًا الذي يسيء استخدام ولايته .. إرضاءً لحاجة في نفسه .. فيتعامل مع المراجع بفوقيّة ترفضها مكارمُ الخلق وحيثّيات الإدارة، يبحث المراجع عن معاملته التي ذهبت ادراج الرياح وتعثرت بين مكاتب الموظفين، حتى أصبحت في عالم الغيب، وهكذا تتعطّل مصالح العباد !!
والمهندس الناجح يحرص على أداء العمل على الوجه الأكمل الذي تتطلبه الوظيفة، حيث من الطبيعي أن الذي يشغل عملًا ما، عليه أن يقوم بواجبات ومتطلبات ذلك العمل ويتصدى لمسؤولياته، وهذه تتطلب من شاغليها الجهد الأكبر واليقظة الدائمة لمواجهة المسؤوليات على المستوى المطلوب . مثل هذه الوظائف وغيرها تتطلب من شاغليها جهدًا كبيرًا، وهذا ما نفتقده في أيامنا هذه .. أرى أنها أصبحت عملة نادرة . فالإنسان منشغل بتحقيق متعته الشخصية خارج أية منظومات قيمية اجتماعية أو أخلاقية، لذا فإن ولاءاته للمجتمع تتآكل تدريجيًا .
قدمت كل هذا لأقول : أن كلمة " شكرًا " لهؤلاء المتميزين بين أقرانهم قليل في حقهم نظرًا لضخامة أداءهم والجهد الكبير الذي بذلوه في مهامهم الوظيفية التي اتسمت بإخلاص العمل وإتقانه .. نعم فأي شيء لهم قليل، نجد أنهم على درجة كبيرة من الفضل، فهم يقدرون قيمة الصدق والأمانة والإخلاص .. أنهم قوم ضرستهم الحياة بتجاربها فعلمتهم أن النجاح وثيق الصلة بالسلوك النابع عن مزايا فاضلة، لقد وجَّهُوا جهودهم وقدراتهم الإبداعية ونواتهم الطيبة لخدمة مجتمعهم وبلدهم المعطاء .. هؤلاء أكثر تحضرًا ووعيًا وإدراكًا لمسؤولياتهم ودورهم في الحياة، ويبقى هؤلاء نموذجًا يغري بالاقتداء .. ويبقى هؤلاء محل تقدير وإكبار، ومصدر إلهام واعتزاز، وهم أعظم فائدة للمجتمع والوطن وللإنسان . من الخير بعد هذا فيما أراه أن نقول لكل الذين أخلصوا النية والقول والعمل المثمر، كلمة « شكرًا » ولكن هذا وحده ليس كافيًا في تنمية الطاقات ورفع الهمم !!
-- اللهم أرحم من توسدت أجسادهم الاكفان، وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، والصلاة والسلام على المصطفى نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
_________
هل يمكن أن يعجب المرء بنفسه بمجرد حصوله على شهادة .. فأيًا كانت درجة شهادته وتحصيله العلمي؟ وهل يمكن أن تسير عجلة التطور البشري دون استيعاب أهمية القيم والمبادئ التي تصب في مصلحة الإنسان؟ الإجابة بسيطة وبديهية، إذ يجمع الناس على مفهوم إتقان العمل « إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه » ثابر على العمل واتقنه وإن كان شاقًا فإن الفوز نتيجة المثابرة والإتقان !!
محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .
https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/04/blog-post_16.html

تعليقات
إرسال تعليق