في عصرنا الحاضر الذي تسيطر المادة فيه على مختلف جوانب الحياة، وتمتص المادة من أفراده القيم الروحية والإنسانية فإن الإنسان المعاصر يحتاج إلى ما يدفع عنه ما يمر به من مصاعب ومتاعب، وما يشعر به من ضغوط قاسية .
قرأت ذات مرة في إحدى الصحف مقالاً بعنوان
« حرية المرأة، في ابتعادها عن جيب الرجل » وكان القصد طبعًا من هذا العنوان وما تبعه، أن المرأة لا تجد حريتها إلا إذا ابتعدت عن جيب الرجل ولم تطالبه بنفقة أو مصروف، كائن من كان هذا الرجل، سواء كان أباها أم أخاها أم زوجها، ولعل المرأة المقصودة في هذا المجال أكثر من غيرها هي الزوجة لأنها الأصل في قوام كل أسرة . إن كلامًا من هذا النوع فيه الكثير من الدهاء، من الذين يقولون به، ففيه الدهاء لأن بعض الرجال أرادوا التخلص من عبء المسؤولية في الإنفاق على المرأة، أرادوا أن يبعدوا زوجاتهم عن جيوبهم، ويكلفونهن بالإنفاق على أنفسهن، لتبقى جيوبهم لهم وحدهم، فراحوا يبحثون عن المرأة التي تعمل وتكسب وتنفق على نفسها وبيتها وأولادها بعيدًا عن جيوبهم .
ولأن الظاهرة أصبحت ممتدة وفرضت نفسها على المشهد الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، فقد أصبحت مظهرًا من مظاهر السلوك الشخصي، وجزءًا من شخصية المجتمعات المختلفة . فما الذي يجعل بعض الناس يصرون على الزواج من أمرأة عاملة ؟! هذا السؤال ليس أفتراضيًا، إذ تبين أن نسبة كبيرة من الرجال يرهنون التحاقهم ببيت الزوجية بإمكان العثور على شريك زوجي قادر على تقديم الدعم والمساندة ولو بدرجات متفاوتة، ما نشهده اليوم في وقوف المرأة إلى جانب زوجها، وهو يسعى لأداء دوره في الحياة الأسرية .. هو أمر طبيعي لوجود متطلبات وضغوط قاسية في حياتنا اليومية .
لا يمكن تفسير ظاهرة من هذا النوع في مجتمع كمجتمعنا من دون ربطها بطريقة أو بأخرى بمسألة العزوف عن الزواج أو بمشكلة الطلاق المستفحلة والتي تضرب ما يزيد على نصف حالات الزواج تقريبًا . ويبدو أن الرجال يربطون النجاح الزوجي بمدى تقبل المرأة تحمّل مسؤولية جزء من شؤون البيت المالية . فهل يؤدي ذلك بالفعل إلى خفض الأزمات الزوجية؟
-- معظم الشباب الراغبين في الزواج، لا يهمهم أن تكون الزوجة المنشودة « تشبه القمر » أو « ربة بيت من الطراز الرفيع » بقدر ما يهمهم أن تُشبع جيوبهم بالمال .. نعم معظم الشباب لا يبحثون عن الفتاة الأجمل والأطيب والأكثر علمًا وثقافة، وتحمل فكرًا وعقلًا وإيمانًا كبيرًا، ومن ذوات الصيت في المجتمع و .. و ..و إلى آخر القائمة، كل ذلك لا يهمهم، إنما الذي يبحثون عنه المال والثروة .. هم يريدون المرأة ذات الثراء، تغدق عليهم بالمال .. هم يبحثون عن المرأة العاملة، لكي تلبي طلباتهم المادية . هذا السلوك الانتهازي من الزوج أمر يؤرق الزوجة، وقد يترتب عليه مشكلات زوجية، وللأسف الشديد تحوّل إلى واقع في عصرنا الحالي، فالزوج الانتهازي قد لا يرى في زوجته شيئًا مقبولًا سوى بريق المال .
فعنه صلى الله عليه وآله: « من تزوج امرأة لا يتزوجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحب ، ومن تزوجها لمالها لا يتزوجها إلا له وكله الله إليه، فعليكم بذات الدين » .
إن الرجل الذي ينظر إلى زوجته باعتبارها صفقة تجارية .. إن هذا الرجل لا يؤتمن منه ولا يستحق العيش معه، هو زوج متسلط، أناني، يستغل تعب زوجته ويمتص رحيقها، كونه يشعر بعامل النقص، لقد حوّل الحياة الزوجية إلى قيمة مادية . إن من الخطأ أن يتعامل الواحد منا مع زوجته العاملة باعتبارها صفقة تجارية .
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تتحكم في مصير الرجل، ظهرت هذه المشكلة بعد ما بات الزوج عاجزًا عن تحقيق متطلبات البيت والأولاد . فتعالت الأصوات المؤيدة والأخرى المعارضة وجاء النقد وأثيرت الأسئلة. بينما صفق الانتهازيين الماديين !.. قد يكون للزوجة العاملة القدرة على تقديم الدعم والمساندة للزوج بدرجات متفاوته من خلال الوقوف إلى جانبه . نحن نشاهد في هذا العصر المادي بعض الناس ( وما أكثر هذا البعض) يستعين براتب زوجته لمواجهة ضغط الحياة وقسوة الأيام التي أصبحت تعتصر قلوب معظم الأسر . من هنا نرى الزوجة تبادر بصرف شيئًا من دخلها على بيتها وأولادها، وبالتالي فهي متفضلة على زوجها، فأي امرأة تأخذ هذا التوجه فهي المرأة الصالحة، عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : " من سعادة المرء الزوجة الصالحة " الكافي ج٥ ، ص ٣٢٧ . فالمرأة الصالحة في منزلة عالية ومحترمة . إن المرأة ليس من واجبها أن تساهم في مصاريف البيت، ومع ذلك تفعل ذلك برغبتها، مثل هذا السلوك الطيب يهدف إلى المحافظة على الحياة الزوجية . والشارع المقدس يقول: الرجل واجب عليه النفقة . والإشكالية الممقوتة في أن الزوج يأخذ من أموال زوجته دون رضاها، وهذا يعتبر مال حرام .
معظم فتيات الجيل الجديد يعتقدن أنهن أجمل وأذكى من أن يتزوجن، فالرواتب الكبيرة التي تحصل عليها الفتاة اليوم من وظيفتها تكفيها لتعيش حياة رغدة من دون وجع الدماغ الذي يسببه الزواج ومسؤولياته، وبإمكانها أن تعيش من دون زواج، وأن تستغني عن الرجل، وتنفق مالها كيفما تشاء من دون أن تتحمل مسؤولية البيت والأطفال .
وأخيرًا، نفقة الزوجة شرعًا وقانونًا تقع على عاتق الزوج وحده حتى لو كانت الزوجة تعمل ولها دخل مالي، كما أن الأب مكلف بالإنفاق على أولاده الصغار، وقد أجاز القانون للزوجة المطالبة بالإنفاق عليها وعلى أولادها عن طريق القضاة . لقد جعلت الشريعة الإسلامية للمرأة ذمة مالية مستقلة، وهي حرة في التصرف بأموالها، ولا يجوز للزوج التصرف بأموالها دون رضاها، فلكل منهما ذمة مالية مستقلة . أما مسألة عمل الزوجة وطلب الزوج منها ترك العمل أو أن تنفق دخلها على البيت والاولاد، فلا يعد إخلالًا بالطاعة الزوجية، خصوصًا إذا تزوجت وهي تعمل، أو اشترطت العمل في عقد زواحها، أو رضي الزوج بعملها مسبقًا، ولذلك من حق المرأة منع الزوج من طلبه .
-- نبكي ونذرف الدمع السخين على أهلنا وأحبتنا وأبناء مجتمعنا كانوا بيننا وأمام أعيننا وفجأة وفي غمضة عين غادرونا، اللهم أرحمهم وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
_________
-- ونحن نشاهد غرائب الزمن والدهر والأيام في هذا الزمان وفي غيره من الأزمان، فإن بعض الرجال سلموا راية كسب الرزق إلى زوجاتهم، وارتضوا البقاء في موقع طالما كان حكرًا على المرأة .. شؤون البيت والطبخ وأشياء أخرى .. هذا النوع من الرجال يمثل ظاهرة متنامية !!
محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .
https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/04/blog-post.html

تعليقات
إرسال تعليق