#خاطرة_الجمعة « شهر رمضان .. غذاء الروح وغذاء الجسم »


#خاطرة_الجمعة « شهر رمضان .. غذاء الروح وغذاء الجسم »

شهر رمضان .. موائد وأشكال وأنواع .. فيه تفتح الشهية ويسيل اللعاب .. وفيه أيضًا تمتلىء النفوس طمأنينة وراحة .

في شهر رمضان هناك الغذاء الروحي وغذاء الجسد .. فالغذاء الروحي مربوط مباشرة بالعقيدة وبقاء النفس هادئة ساكنة وادعة تتعلق بأهداب خالقها تبحث عن الذات .. بينما غذاء الجسد مربوط مباشرة بالاستمرارية في الحياة والحركة بكل أشكالها، فمن تناول غذاءً ماديًا مما تذخر به موائد القوم فقد ضمن لنفسه الخروج من مسغبة الجوع والخوف في آن واحد . فالجوع عدو تصل عداوته درجة حرجة جدًا .. والخوف طبيعة في النفس البشرية يقابلها في الجانب الآخر الأمن، وهو أحد مصادر سعادة الإنسان أو شقائه، وهكذا يرتبط الغذاء المادي بحركة الكائن الحي وسكونه، بشرًا أو حيوانًا أو نباتًا . وهكذا تتكامل عوامل الروح مع مكونات غذاء الجسم .. وقد ارتبط الإفراط أو التفريط في كل من غذاء الروح وغذاء الجسم للنفس البشرية بالحالة المرضية أو على الأقل بالنفس غير المطمئنة، فالإفراط في تناول الوجبات يأتي على حساب نصيب الماء والتنفس ولكل ثلث، كما جاء في الحديث الشريف " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه .. " أمًا التفريط فيجعل الجسم هزيلًا لا يقوى على الحركة، وبالتالي فإن إقباله على غذاء الروح يقل كثيرًا .. نداء يحكم الوسطية ويجعل منها خيارًا مستمدًا من عالم العقيدة حيث الإشباع الروحي والغذاء الديني، وقد ثبت عند علماء الاجتماع أن الشعوب المرتبطة بعوالم الاعتقاد الديني والروحي هي الأكثر استقرارًا بعكس تلك التي أخذت معاني الحياة من الزاوية المادية الأحادية، فجاءت صورتها الاجتماعية ناقصة، فتفشت الأمراض الاجتماعية وزادت في أوساطهم نسب الجرائم والانتحار وغيرها من الظواهر الاجتماعية التي تعبر عن الشذوذ .

إن الصيام فرصة لزيادة الشعور بالطمأنينة والراحة النفسية، فهو يهذب النفس من التكالب على الشهوات المادية، ويجعل الإنسان قوي الإرادة، عطوفًا على المحتاجين، ويشاركهم شعورهم، والرسول الكريم صلى الله عليه وآله يقول: " صوموا تصحّوا " فالحكمة من الصيام هي إظهار العبودية لله بترك شهوات الجسد طلبًا لمرضاته سبحانه وتعالى .

من موانع القرب من الله كثرة الأكل، فعلى كل فرد منا أن يحفظ نفسه عن الإفراط في الشبع، كما ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: « ليس أضرّ على قلب المؤمن من كثرة الأكل » ميزان الحكمة، ج٤ ،ص١٧٩٢. وقال لقمان الحكيم لولده: « يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة» ميزان الحكمة، ج٤ ،ص ١٧٩٥. فالبطن المملوءة تورث الكسل وحب النوم، وهما عدوان لدودان يحاولان دائمًا أن يقعدا المؤمن عن العبادة .. نعم شهر رمضان ليس شهر كسل وخمول وكثرة أكل ونوم، لكنه شهر العمل الصالح والتقوى، وشد الأفئدة والقلوب إلى خالقها لإصلاح ما طرأ من أعوجاج في مسيرتها، وما ران على القلوب من غفلة وصدود . هذا هو شهر رمضان .. شهر الصبر والإيمان . فليكن لك أيها المؤمن منطلقًا نحو إيقاظ الضمير والرجوع لمحاسبة النفس ودفعها إلى مسالك الخير والتأسي بالائمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لصيامه وقيامه، وأن يتقبل من الصائمين صيامهم وأعمالهم، وأن يستجيب صالح دعواتهم .

« اللّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً، اجْزِهِما بِالاِحْسانِ إِحْساناً وَبِالسَّيِّئاتِ غُفْرانا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِناتِ، الاَحْياءِ مِنْهُمْ وَالاَمْواتِ، وَتابِعْ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ بِالخَيْراتِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وَمَيِّتِنا، وَشاهِدِنا وَغائِبِنا، ذَكَرِنا وَاُنْثانا، صَغِيرِنا وَكَبِيرنا، حُرِّنا وَمَمْلُوكِنا »

 ~ احياء أول جمعة مباركة بالطاعة والعبادة ~ 

_________

الصيام روح وروحانية .. فيه سمو بالروح، وصفاء في الفكر، ولا تتحقق إن حاول الصائم أن يملأ معدته بألوان المآكل والمشارب التي يثقل عليه هضمها .. نعم الصائم يشعر بنقاء النفس وصفاء الروح، وارتياح في جسمه وصحته ونشاطه، وما أحوجنا إلى ذلك في عصر كعصرنا تكاد الماديات أن تطغى فيه على الروحانيات . ففي شهر رمضان تعج الأسواق وتغص الطرقات، ويتجمع الناس في المطاعم والمقاهي أفواجًا يتسامرون ويتبادلون الملح والطرائف .. أين هم مرتادوا مجالس الذكر والإحياء ؟ أين هم أولئك الذين يغمر نفوسهم الإيمان والاتجاه بإخلاص إلى مبدع الكون ؟ فقد عرفنا أناسًا لا يفتأون في كل ليلة من أسحار شهر رمضان المبارك ، منادين « اللّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْفَرِ عِبادِكَ نَصِيبا فِي كُلِّ خَيْرٍ أَنْزَلْتَهُ وَتُنْزِلُهُ فِي شَهْرِ رَمَضانَ » لقد خفي على الآخرين ما في الصيام من منافع روحية واجتماعية وصحية وفوق هذا وذاك فيه كسب لمرضاة الخالق سبحانه، ورد في الحديث القدسي « الصوم لي وأنا أجزي به » أولئك القوم على ما يبدو لا يستطيعون عن الطعام صبرا، وكأنهم إنما يعيشون حياتهم ليأكلوا !!

محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .

تعليقات