#خاطرة_الجمعة « مائدة رمضان .. عراقة وأصالة متراكمة منذ قرون »
القطيف .. منطقة إبداع معروفة منذ أن كانت ولا تزال، ولها خصوصيتها في التاريخ والعلم والأدب .. ولها خصوصيتها في أمور .. وأمور .. حتى في المأكولات التقليدية .. وما خصوصيتها تلك إلا دليلًا على العراقة والأصالة المتراكمة منذ قرون .
حينما يتسنى لنا تأمل المشهد الأصيل، لا بد لنا أن نستحضر صور كانت في الذاكرة والوجدان، فلنا في الماضي ثمة قنديل يضيء .. ولنا أن نرسم خطًا واضحًا بين الماضي والحاضر .
قبلًا ، كانت مائدة الإفطار في شهر رمضان المبارك تحظى باهتمام كبير من أمهاتنا، وتعد فرصة طيبة لسيدة الدار الشغوفة منذ نعومة أظفارها لإظهار مهاراتها في الطهي، حيث تعدد الأصناف وساحة التفنن في صنع منوعاتها الشهية وربما المعقدة، حيث تستغرق وقتًا وتأخذ جهدًا لا يستهان بهما في تحضيرها . تقف سيدة البيت في المطبخ الأصيل تعد العدة لتجهيز الطبخات المتوارثة من وقت الضحى وحتى قبيل غروب الشمس، طبخات جاءت من عبق الماضي، تُطهى على نار هادئة وبنكهتها الطبيعية، مثل صالونة اللحم الرمضانية لتشريب الخبز العربي أو خبز الرقاق بماء مرقها مكونة طبق يسمى" الثريد " وهذا طبق يكاد يكون يوميًا .. ويعتبر الثريد طبقًا مميزًا يتصدر المائدة الرمضانية، ويليه طبق الشوربة، ثم الهريس، وكباب اللحم بالدقيق " العروك " وكباب العجين، والسمبوسة، والعصيدة، والخبيصة، والساغو، والممروس، والمنفورة، واللقيمات، والزلابية، والمحلبية، والبلاليط، وقرص عقيلي وغيرها من الطبخات والتي تأخذ تلك الأولوية والفوز في مائدة رمضان، وتكاد أن تكون فوق كل مائدة في بيوتنا، بجانب ما لذ وطاب من الأطعمة الشهية والمشروبات المنعشة، وقبل إعداد المائدة يتم تبادل الأصناف بين الجيران، يهدي كل جار جاره صنفًا من الأصناف التي طبخها، وهو عرف سائد في مجتمعنا القطيفي، وله الأثر الكبير في توطيد دعائم الأخوة والمحبة والتآلف في المجتمع .
المائدة الرمضانية تعد وتحضر وترص وتفرش بجميع الأصناف من المأكولات والمشروبات على أن تكون جاهزة تمامًا قبيل أذان المغرب بدقائق، ويتحلق أفراد الأسرة جميعهم حول المائدة، كل واحد حدد مكانه على المائدة، ينتظرون الأذان لتأدية الصلاة، ثم يتناولون فطورهم بتلذذ مبتدئين بالتمر مقتدين في ذلك بسيد البشر عليه الصلاة والسلام، فلا تخلو المائدة من التمر أو أحد مشتقاته .
نعم ، تلك ذكريات لاتنسى من أيام الطفولة وحتى عندما كنت يافعًا ثم شابًا، عادات وتقاليد يعشقها ويحن لها كبار السن، وهي ملتصقة بوجدانهم يستذكرونها دومًا . أين نحن اليوم من تلك الأيام؟!
في الماضي القريب كانت الأسرة تعتمد على سيدة البيت التي أغنت الموائد وخصوصًا الرمضانية بألوان المأكولات الشعبية، فالمائدة الرمضانية تمثل جزءًا من عاداتنا وقيمنا الأصيلة .
ودارت الأيام .. ومع دورانها .. أدركنا أهمية الأشياء الحلوة، شعرنا كم هي غالية أو حميمة، ففي شهر رمضان المبارك نشعر بقيمة "الهريس" أو " العصيدة " أو " الممروس" التي هي من عبق ماضينا الجميل، فقدنا لقيمات نظيفة طازجة طالما ألفناها، وصحون فطمنا على نكهتها وشبّينا على رائحتها .. لقيمات تم إعدادها تحت إشراف منزلي مباشر، نعرف اليد التي صنعتها، أو النار التي أنضجتها، أو الخلطة التي كونتها .. وتدور الأيام .. ومع دورانها وجدنا المطاعم ومحلات الفطائر والحلويات توفر للصائم انواعًا لا تعد ولا تحصى من الأطباق الشعبية، تطورت وتحسنت وأصبحت صناعة لها خصوصيتها ولكن .. ولكن هناك شيئًا مفقود لا يعتمد على مجرد اتقان فقط وإنما لابد من توافر شيء آخر مهم نسميه " النفس " وايضًا فروقات في طريقة اعدادهم، فما عادت تضاهي تلك الأكلات التي كانت تنهمك ربة البيت بتحضيرها . وأكثر ما يلفت النظر اليوم هو اعتماد العديد من الأسر على الوجبات الجاهزة أو المجمدة " المفرزنة " التي تقدمها المطاعم والمخابز والأسر المنتجة في ظل ظروف عمل المرأة خارج البيت .. نعم لم يكن خيار أفراد الأسرة إلا المطاعم واستلام الطلبات التي راج سوقها، ومن هذا المنطلق نجد أن زيادة الضغط الاجتماعي وتراكم الأعمال وسرعة إيقاع الحياة العصرية كان له تأثير مباشر على النمط الغذائي للأسرة، والتي تعد المرأة المحور الأساسي له، فالمرأة العاملة لا تجد وقتًا كافيًا لتحضير الطعام وإعداده مما يجعل المحيطين بها " أفراد الأسرة " يتجهون مباشرة إلى الوجبات الجاهزة من خارج المنزل، شيئًا فشيئًا، أصبحت ظاهرة طاغية على حياتنا .
يبقى أننا اليوم لم نعد نشاهد أيًا من تلك الأكلات في موائدنا الرمضانية، لكن في المقابل فإن القليل منها ما زال على المائدة لكن ليس بذات الطعم الذي كانت عليه في تلك الأيام . إنها سلبيات الزمن، ومهما تباينت اراؤنا حول تلك السلوكيات فقد أصبح من الصعب تجنبها اليوم تحت وطأة الحياة المعاصرة، فالسيدة لا يوجد لديها وقت لعمل أطباق في المنزل، بخلاف أمهاتنا اللاتي كرسن جل وقتهن للبيت والأسرة .
توقفي سيدتي قليلًا في هذا الشهر الكريم عن المطاعم والمأكولات المجهزة وأطباق الأسر المنتجة قدر الإمكان، ادخلي مطبخكِ واصنعي بيدكِ ألذ وأطيب الأطباق لتعطي لأفراد اسرتكِ من نفسكِ الطيب شيئًا من الصحة والأصالة المطلوبة، فجاذبية مائدة رمضان لا تزال قائمة، حينما نعود إلى مطبخ الأم وحركة الطعام البطيء . تخلينا نحن جيل اليوم عن كثير من تلك الكنوز الغذائية الأصيلة التي تمتع بها آباؤنا وأجدادنا، وتنازلنا عن الطيبات، وطرنا وراء كل مطبخ شرقًا وغربًا، أطعمة مجهولة المصدر والصلاحية دخلت على موائدنا، وترسبت في أمعائنا، وافقدتنا توازننا .. وهل سنظل نتحسّر على أيام زمان؟!
-- نبكي ونذرف الدمع السخين على أهلنا وأحبتنا وأبناء مجتمعنا كانوا بيننا وأمام أعيننا وفجأة وفي غمضة عين غادرونا، اللهم أرحمهم وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
_________
ها هو ذا شهر رمضان المبارك مقبل بأنواره نراه في الأفق قادم، فما هي إلا أيام قلائل ثم يحل بساحتنا شهر الله - الضيف الكريم - فاللهم بارك لنا في شهر شعبان وبلغنا شهر رمضان .. شهر التقوى والمغفرة .. شهر الصفح والإحسان .. نسأل الله تعالى أن يبلغتا جميعًا شهر رمضان، ويوفقنا لصيامه وقيامه، وأن يتقبل من الصائمين صيامهم وأعمالهم، وأن يستجيب صالح دعواتهم، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .
محبكم الراجي دعاءكم / منصور الصلبوخ .

تعليقات
إرسال تعليق