ما اعظمها من رحمة حينما تقول لله "ان اخذتني اخذتك"
المناجاة الشعبانية وما اعظمه من دعاء عظيم ولعلنا لا نجد جزءً منه دون ان تستوقفنا مضامينه وابعاده العبادية والعقدية وتستوقفني هذه العبارة:
"إِلهِي إِنْ أَخَذْتَنِي بِجُرْمِي أَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ، وَإِنْ أَخَذْتَنِي بِذُنُوبِي أَخَذْتُكَ بِمَغْفِرَتِكَ"
فمن انا حتى آخذ الله كما يؤاخذني؟
الاخذ هو العقوبة ممن يملك القوة والقدرة (إِنَّا أَخَذْنَاهُم أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ) ويكون بعد معاصي وتكذيب لايات الله ( كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا )، فالاخذ هو عقوبة المقتدر، ولكننا نجد هنا متسعا بين الاخذ وطلب العفو مما يعني ان هناك قرارا للعقوبة بالجرم لكني اطلب العفو ممن يملك الرحمة كما يملك القوة فهناك امهال،
اذن نتجه لمفهوم اخف درجة بقولنا الهي ان اخذتني أي حاسبتني وقررت العقوبة عليّ بجرمي،
اما الجرم فهو كل عمل قبيح يحمل شرا وتعديا واعتداءً وكل جرم عليه عقوبة لظهوره وتحقق وجوده ولم يعد مخفيا اوغائبا عن الاخرين مما يقتضي العقوبة لعدالة الله، ومع تحقق وجوده واستحقاق العقوبة فاختيار لفظة جرم له من البعد النفسي بطلب الرحمة والرأفة ولما للجرم من عقوبة لم يستعمل لفظة ذنب فالذنب اذا كان تجاه الله فيمكن للعبد طلب المغفرة منه وان كان عظيما فبعض الذنوب تبّعد الانسان عن الله لكن طريق الرجوع هو بالاستغفار وطلب الرحمة (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) ،
اذن استعمال الجرم يعني ان الداعي ذهب الى ابعد حد من استحقاق العقوبة لذنب او معصية وجعلهما في درجة الجرم ولرحمة الله وعدالته فتوجه له ،
بل نجد جمال الاستعمال لمقابلة لفظ جرم بلفظ عفو ولم يستعمل لفظة غفران، لان الجريمة قد عُرفت وعُلمت بين الناس فلا يمكن سترها بل المناسب لها هو العفو عن العقوبة، واما اثار الجريمة فقد ظهرت فلا يمكن اخفاءها بل تكون عفوا، بينما مقابلة الذنب بالمغفرة -وهو العفو والستر- ناسب ان يكون في الذنب مغفرة، فقد يكون ذنبا بين الانسان ونفسه ولم يطلع عليه الا الله فهنا يجمل استعمال ذنب او معصية فهما بحاجة الى عفو وستر،
وفي جهة أخرى نجد مقابلات في لفظة اخذتني واخذتك فهي مختلفة المعاني لما لها من ارتباط بما يناسبها وليس لها معنى لفظي واحد فاخذ الله محاسبته وعدله وعقابه، بينما لا يملك الانسان اخذا تجاه الباري سبحانه بل هو ضعيف لا يقدر على شيء، فلذا نحتاج الى المصير الى معنى اخر مناسب لمتعلقه فاخذتك بعفوك لانك كتبت على نفسك الرحمة فيمكنني ان اتجرأ بطلب الزامك بما كتبت على نفسك بها وهي وان مثلَت جرءة على الله بمثل هذا اللفظ لكن الانسان اذا وجد ان لا ملجأ من كسب العفو والغفران الا بالتودد والاستعطاف لما يملكه القادر سبحانه فسوف يتشبث بكل اجراء وضعه الله على نفسه،
وأخيرا فان المقابلة بأخذتك لا تستقيم بنفس معنى احاسبك الا على نحو الاستعطاف وفقدان أي طريق لكسب العفو

تعليقات
إرسال تعليق