((الوفاء بالتزاماتنا تجاه الآخرين جزءٌ من إنسانيتنا, وغيابنا ليس ناتجًا عن عدم اكتراثنا))


((الوفاء بالتزاماتنا تجاه الآخرين جزءٌ من إنسانيتنا, وغيابنا ليس ناتجًا عن عدم اكتراثنا))         

صدقا,  لم أشأ أن أكتب عن هذا الشأن, ليس لشيء ولكن نظرا  لكثرة فضول وتطفل واختراق الخصوصية, وعدم إحترام ظروف و بعض القرارات الشخصية للآخرين,  حينها قررت أن أكتب عنه هنا, من وجهة نظري ومدى قناعاتي وإمكاناتي في هذا الشأن, حيث يمسني جدا على الجانب الشخصي.

يواجه الغالبية منا التزامات في الحياة, بدءًا من قضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء, وصولًا إلى التواجد في المناسبات الإجتماعية المهمة والمطلوبة, في حياة أفراد         المجتمع خاصة تقديم واجب العزاء للفاقدين.  ولكن في كثير من الأحيان, تكون بعض الإلتزامات السعيدة ممتعة ومُرضية, ونرغب في التواجد أيضا. وفي ذات الوقت,نشعر أحيانًا باستنزاف وبمقاومة تجاه الوفاء بهذه الإلتزامات، خاصةً عندما تتراكم فجأة ونشعر بالإرهاق, أحيانًا نتوق إلى أمسية هادئة في المنزل دون أي إرتباط . في مثل هذه الأوقات, قد يرغب البعض وأنا "أولهم" في عدم الوفاء بعدم القدرة وبعدم التواجد ولي أسبابي! لكن البعض منا يشعر بالذنب الشديد لفكرة عدم الحضور, ومع ذلك، فإن التزامنا الأساسي هو الإهتمام بأنفسنا قبل كل شيئ, وإذا كان عدم تلبية دعوة أو طلب ورغبة شخص آخر, هو ما يجب علينا فعله أحيانًا  فلا داعي للشعور بالسوء حيال ذلك, ليس شرطا أن نكون حاضرين ومستعدين تحت الطلب أو متاحين في كل إلتزام.

 إنّ موازنة التزاماتنا فنٌّ بحدّ ذاته, وأحيانًا يبدأ ببساطة بإدراك جدولنا الزمني. قد نلاحظ ورود عدة دعوات في غضون أسبوع واحد, وندرك أننا سنُثقل كاهلنا إذا حاولنا تلبية جميعها. عندئذٍ، يمكننا التريّث والتفكير جيدا في عواقب عدم حضور كل مناسبة، متسائلين عن شعورنا في حال غيابنا, وكيف سيؤثر ذلك على الآخرين. في أغلب الأحيان, سيتضح لنا أيّ التزام يُمكننا التخلي عنه بسهولة, وأيّ التزام لا يُمكننا تفويته. أحيانًا نضطر إلى تفويت أمرٍ بالغ الأهمية بالنسبة لنا, وهذا قد يكون مزعجا ومحرجا للبعض. في مثل هذه الظروف، يُتيح التواصل عبر مكالمة هاتفية, أو بطاقة تهنئة رقيقة, أو هدية بسيطة للبعض, مفادها أننا حاضرون معهم بقلوبنا, وأن غيابنا ليس ناتجًا عن عدم اكتراثنا أو عدم إهتمامنا, ولكن هناك مايمنعنا  من ذلك.

إنّ الوفاء بالتزاماتنا تجاه الآخرين جزءٌ لا يتجزأ, من إنسانيتنا وأخلاقياتنا وتقاليدنا وترابطنا وعلاقاتنا, ولا ينبغي الاستهانة به. في الوقت نفسه, لا يمكننا الوفاء بكلّ التزام دون إهمال واجبنا الأساسي في رعاية أنفسنا. نستطيع تجاوز هذه المعضلة بالوعي وبالقرار بما نختار فعله وما لا نفعله، وبإيجاد سُبل عملية لتقديم الرعاية عندما لا نستطيع التواجد شخصيًا, وذلك للتغلب على إرهاق أنفسنا بإلإلتزام.

عندما نتعلم كيفية التوازن  مع أنفسنا  وحمايتها وتجديدها بوعي وإدراك، يمكننا أيضا احتضان طبيعتنا المتحفظة دون قلق  من فقدان ذاتنا أو إهمال احتياجاتنا للعناية الذاتية. إذا وجدنا أنفسنا غارقًين في ظروف ومشاعر وأوجاع خاصة, لشؤون شخصية من حولنا, متأثرًين بها بشدة, فقد نكون نعاني مما يُعرف بإرهاق التعاطف. كونك متعاطفًا يعني أنك تتمتع بحس عميق من المشاعر والتعاطف, مما يمنحك القدرة  بإلزام نفسك على التواجد احتراما لمشاعر الآخرين. ولكن عندما يكون الطريق وعرًا, قد يعني ذلك أيضًا تحمل الكثير من تلك الصعوبات بنفسك, مما يخلق عبئًا عاطفيًا ثقيلًا يؤثر سلبًا على صحتك النفسية وقدرتك, مما يسبب للبعض:

·   الإرهاق بالإلتزام: قد يُثقل قدرتك الفطرية لإرضاء مشاعر الآخرين, وكأنها مشاعرك، وهنا سوف تستنزف طاقتك إلى مانهاية.

 ·  الإرهاق الشديد في التواجد رغم عدم الإمكانية : قد يُرهقك استيعاب الطاقات السلبية للآخرين جسديًا ونفسيًا, مما يُصعّب عليك التركيز وإنجاز مهامك اليومية في سبيل القيام بإرضاء وتلبية الإلتزامات للغير التي لا تنتهي..

 ·   ازدياد التوتر: عندما تزداد استجاباتك هنا وهناك، يصعب عليك تنظيم جهازك العصبي.

·   إهمال العناية بالنفس: لأن إرضاء الآخرين لها الأولوية،  وحينها تُهمل احتياجاتك.

·   الإنهاك: وصلت إلى مرحلة يصعب عليك فيها القيام بمهامك بشكل طبيعي، لإرتباطاتك دون قدرة أو طاقة لك. 

  وهنا علي أن أقول, لا تتطلب موهبة التعاطف بالإلتزام  منا, بالتضحية وبقدرتنا وقناعتنا ووقتنا. كن متواجدا وفقًا لإمكاناتك, عندما تدرك ذلك, تستطيع ممارسة الإلتزام دون التخلي عن ذاتك, حتى لا تنزلق بسهولة مع الظروف المتغيرة  التي تواجهها مع مرور الزمن. وحينها ينتابك شعور  بالإرهاق والضغط النفسي.

غالية محروس المحروس

تعليقات