#خاطرة_الجمعة «أي نوع من السائقين أنت؟»
اختناقات، تجاوزات، سرعة، حوادث، إصابات ووفيات .. مفردات قفزت إلى عناوين الصحف وقنوات الأخبار والتواصل الاجتماعي .. كتابات ومقالات وتقارير تناولت التوعية المرورية .. لقد كُتب الكثير عن مآسي المرور ومن الصعب إيجاد الحلول مالم يكن هناك وعي مروري وضمير حي عند السائق أو قائد المركبة .. كنت من سنتين قد كتبت خاطرة بعنوان « شبابنا وأدب القيادة » تطرقت فيها إلى فن وآداب قيادة السيارة ..
https://twitter.com/Qatif_news/status/1778457010184352010
فالسلامة والأمور الأخرى متعلقة بكيفية قيادتنا للسيارة، وعلى الشاب أن يفكر ألف مرة قبل أن يقترف مخالفة مرورية، لأن القضية هنا مسألة حياة أو إزهاق أرواح، فهل سألنا أنفسنا ماذا حققنا من التوعية المرورية؟ لا نستطيع أن ننكر دور التوعية في كل شيء ومنها حملات التوعية المرورية .. لكن هل التوعية كافية لحل تلك الأزمات؟ التوعية المرورية وكل مستلزماتها الفنية والتقنية للأسف لم تأت بالنتائج التي توقعتها إدارة المرور، فلماذا تفشل؟! لا يتسع المجال لأحكي ما حدث لي شخصيًا عندما حاولت مرة أن أنصب نفسي واعظًا أو شرطي مرور، وذلك بإسداء النصح لشاب وقف بسيارته في مكان غير مخصص للوقوف، فجاء الرد منه سريعًا « ايش لك يا خفيف الدم، تروح في حالك وإلا تسمع مني كلام يرفع ضغطك !! » طبعًا انسحبت لا سيما بعد أن رأيت بعض المارة الفضولين صامتين، حتى ولا كلمة حق لله !! وعلى أي حال لقد اتضح أن محاولات النصح والإرشاد والكلام الرقيق لا ينفع مع هؤلاء الشباب .. فإذا خطر لك يومًا أن تنصح شابًا يقود سيارته باستهتار وبلا مبالاة فأغلب الاحتمال أنه سوف يشتمك أو على الأقل يطلب منك بصلف ووقاحة أن تمشي في سبيلك .. نعم فوضى القيادة كثيرة وحملات التوعية المرورية لم تكن ناجحة رغم ضخامة الجهود المبذولة .. ولكن يبقى شيء واحد قد يكون الأخذ به بداية العلاج، اليوم لسنا بحاجة إلى توعية مرورية فالشوارع والتقاطعات والمنعطفات ونقاط عبور المشاة مزودة بعلامات وإشارات الطرق وكاميرات رصد لمراقبة المخالفات المرورية، ومطبات تخفيف السرعة والدورات وغيرها، وفرض جزاءات صارمة وفورية لردع المخالفين، وللحد من حوادث الطرقات الكارثية . أنا وأنت وألوف الملايين من أمثالنا عشنا عصاة لا نحترم القوانين إلا إذا ظلت القوانين قائمة على رؤوسنا ولا نتحرى عمل الواجب إلا مدفوعين بعامل الخوف من العقاب !! حياتنا المعاصرة مليئة بالمشاكل والأزمات بسبب ضغوط الحياة .. ضغوط رهيبة على أعصابنا وما رافقها من إرهاق وقلق وأمراض نفسية .. ماذا نتوقع؟ فقدنا السيطرة على أعصابنا، فكم من مرة تملكك الغضب من سائق يعترض طريقك أو يكيل إليك الشتائم أو يضطرك للخروج بسيارتك عن الطريق؟ جميعنا انتابنا هذا الشعور بالغضب في موقف أو آخر، فإذا استسلمت لمشاعر غضبك أثناء السياقة أو كان تصرفك ردًا على مظاهر غضب السائقين الآخرين، فأنت تعرض حياتك وأرواح الآخرين للخطر، إن ما يحدث عندنا من مظاهر غضب السائقين كــ زيادة السرعة والاقتراب اللصيق من السيارة التي تسير في الأمام، والايماءات العدائية، وإطلاق بوق التنبيه أو ومض بالأنوار الأمامية بصورة متكررة، أو الدخول في مسار حركة المرور والخروج منه بطريقة ملتوية ومتعرجة أو التجاوز والانتقال من مسار إلى آخر بشكل فجائي دون التقيد بعلامات وخطوط وإشارات المرور، وحينما يواجهك سائق عدواني، أفعل كل ما في وسعك للابتعاد عن طريقه، ودع كبرياءك جانبًا، ولا تزد من سرعتك إمعانًا في تحدّيه ولا تحاول سد الطريق أمامه لمنعه من الدخول إلى مسارك، وتجنَّب تبادل النظرات مع أي سائق غاضب، فقد يفهمها السائق على أنها إشارة للتحدي، وتجاهل الايماءات البذيئة وامتنع عن الرد بمثلها .
لا أحد ينكر سلوكيات بعض السائقين كون قيادتهم ينتابها قلة التركيز أو تشتت الذهن بسبب الأجهزة الذكية أو عوامل نفسية أو اجتماعية بالغة التعقد والعمق، فمعظم الشباب يتعاملون مع الطريق وحركة السير وكأنه صراع .. صراع ضد الوقت وضد الآخر، يخرج من هذا الصراع بتجاوز كل الأنظمة والقواعد والقوانين ليصل إلى حدود العبث بالأرواح . ظاهرة الإنزعاج من مستخدمي الطريق - سائقون، وركاب، وراكبو دراجات، ومشاة - صارت تستفحل أغلب الشباب .
المشاة هم أكثر الناس عرضة للخطر على الطريق، ففي الكثير من مدننا الجميلة، يراعى في تصميم الطرق فصل ممرات المشاة عن مسارات حركة السيارات، كما أن الكثير من الشوارع الرئيسية مزودة بمعابر علوية أو سفلية، وأرصفة وخطوط مشاة، وممرات جانبية للمشي، وحواجز وإشارات ضوئية لتأمين سلامة المشاة .
كم من مرة طالعتنا، ولا تزال تطالعنا أخبار مفجعة وكارثية على قنوات التواصل الإجتماعي لحادث دهس مأساوي .. وكم من مرة فجعنا بصفة خاصة، عندما نقرأ اسمًا لإنسان نعرفه أو نعرف عائلته .. وكم تألمنا ولا زلنا نتألم من هذا الذي يحدث في مجتمعنا وبلدنا المعطاء دون أن يبدو له في الأفق القريب أو البعيد مؤشر على انخفاضه؟!
في طريق الملك فيصل ( العوامية - البحاري الجديد) والذي تم افتتاحه حديثًا ضمن مشاريع التوسعة لشوارع محافظة القطيف، والتي تتطلب تنفيذها إزالة عدد كبير من بيوت الحي السكني، ونتج عن ذلك تقسيم الحي إلى جزئين شرقي وغربي، ولا شك أن المشروع أحدث نقلة نوعية في حركة المرور، ولكن التنقل من شرق الحي إلى غربه شكل للمشاة خطورة كبيرة، كون الشارع أصبح مزدحم بالسيارات والمركبات طوال اليوم، فالطريق أصبح شبه سريع، ولن تحل المشكلة ما لم يتم استكمال بقية عناصر السلامة مثل وضع حواجز ومعابر للمشاة، وحينما نرى شخص يسير على قدميه ليقطع شارع واسع ومزدوج ذات اتجاهين وشبه سريع، دون وجود حواجز فاصلة تضبط سير المشاة، فغالبًا ما يتعرض الشخص لحادث دهس، وهذا ما حدث قبل خمس أيام، في مشهد مؤلم لسيدة في العقد السابع من العمر، والتي تعرضت للدهس ولقت حتفها أثناء محاولتها قطع الشارع، ومشهد آخر مؤلم قبل يومين وفاة شاب أثر تعرضه لحادث أثناء قيادته دراجة هوائية بين بلدتي العوامية والقديح، مشهدان مؤلمان خلال خمس أيام، خيم بالحزن على أهالي بلدتيهما خاصة وعلى القطيف عامة .. فاجعة ومأساة، من المؤسف أن نرى إمرأة في هذا العمر تقطع شارع شبه سريع دون مرافق يساعدها على عبور الطريق، فالشارع يعج بحركة السيارات والمركبات والدراجات حتى صارت مسألة عبور الشارع بسلام ليست سهلة على الإطلاق للمشاة وتتطلب الحذر الشديد، وإلى وقت كتابة هذه الخاطرة لا زال الطريق يفتقد إلى أمور فنية وتقنية توفر أقصى قدر ممكن من السلامة للمشاة، وحمدًا لله والشكر الجزيل مما رأيناه من تفاعل سريع من قبل المسؤولين .. هناك جهود مباركة تبذل حاليًا من الدولة أيدها الله ممثلة بالجهات المعنية بعد حادث الدهس، فقد جاءت توجيهات عاجلة من العميد الدكتور عبد اللطيف العبيد الله مدير مرور المنطقة الشرقية بضرورة الإسراع بتنفيذ معابر آمنة للمشاة .
إن التهاون في أمور السلامة المرورية وعدم المبالاة بأرواح الناس يعتبر خيانة للأمانة وهو خلاف تعاليم الدين الذي يربي الإنسان على أن يكون جادًّا في حياته، وأن ينظم أموره ويحكم عقله، ويضبط أعصابه، ويحترم أنظمة المرور، ويراعي مبادىء السلامة، لكي يحفظ أرواح البشر .
وفي الأخير، أعود للعنوان الذي بدأت به الخاطرة وأسأل « أي نوع من السائقين أنت؟ » وأنت في الشارع تجد أنواعًا مختلفة من السائقين، ولكل نوع خصائص مميزة عن غيره، فنجد في الشارع السائق المشتت الذهن، والسائق المسرع، والسائق النعسان، والسائق العدواني، والسائق المتردد، والسائق المتخوف، والسائق الآلي، وأخيرًا السائق المثالي، فأي نوع من السائقين أنت ؟!
-- نبكي ونذرف الدمع السخين على أهلنا وأحبتنا وأبناء مجتمعنا كانوا بيننا وأمام أعيننا وفجأة وفي غمضة عين غادرونا، اللهم أرحمهم وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه. والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
_________
-- يقول سينج يون في كتابه « مفاتيح الحياة بشكل جيد » إنه « لكي تعيش بأمان في هذا العالم علينا أن نمارس ضبط النفس مثل سيارات لابد أن تتبع قواعد المرور، وبهذا المعنى يمكنني أن أشبه الحياة بقيادة السيارة . فحتى لا تتجاوز السرعة لابد أن تلتزم بالسرعة المحددة للطريق .. ولكي تعطي المشاة حقهم في المرور لابد أن تتمتع بالمرونة والتسامح .. ولكي تتوقف عند تقاطع طرق لابد أن تتحلى بالصبر والذكاء في التعامل مع الظروف الاستثنائية .. وحتى لا تطلق بوق السيارة بلا داع عليك الاحتفاظ بقدر من الهدوء الداخلي في أية ظروف .. وما هذه التعاليم إلا الأخلاق والحكمة اللازمتان من أجل حياة ثرية ومثمرة » .
محبكم الراجي دعاءكم: منصور الصلبوخ .

تعليقات
إرسال تعليق