« الإمام السجاد (ع) .. معلم السير والسلوك »
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين، بفضل الله تعالى توالت الاحياءات والاحتفالات بمناسبة مواليد الأئمة الأطهار عليهم السلام، أيام مباركة ومناسبات عظيمة تمر علينا خلال شهر شعبان الأغر، نعيشها بعطاءات تصب في قلب كل مؤمن، تنير قلبه وتملأ نفسه بالبهجة والسرور .. في هذه الليالي المباركة ننظر إلى تلك الوجوه المشرقة المضيئة التي تعلوها الرحمة والرأفة، وتضفي عليها جوًا من الإيمان، وتسمو بها إلى عالم الطهارة والنزاهة .. في هذه الليلة المباركة ذكرى ولادة الإمام الرابع من أهل البيت عليهم السلام، رائد العرفان ومعلم السير والسلوك الإمام علي بن الحسين - زين العابِدينَ وسيد الساجدين صلوات الله عليهِ .
كان زينُ العابدين عليه السلام أشبه الناس بجدِّه عليِّ بن أبي طالب عليه السلام، فَقُوَّتُه وشَجاعتُه، وصبرُه وتجلُّدُه، وتعبُّدُه وتَقواهُ، وعِلمُه ومعرفتهُ أمورٌ تذكِّرُ بجدِّه عليهما السلام، عالمًا فقيهًا، ذا اطِّلاعٍ واسعٍ على أمور الدِّين وعُلوم القُرآن الكريم، أخلاقهُ من أخلاق جدَّيْهِ مُحَمَّدٍ وَعلِيٍّ صلوات الله عليهم أجمعين، وليسَ هذا غريبًا على من اجتباهُمْ الله عز وجل وخصَّهم بالكرامة والعصمة.
وأمَّا بِحارُ عِلمِه عليه السلام فَعَميقةٌ بِلا قَرارٍ، وحيثُ لم يَتَسنَّ لهُ أنْ يَرتَقيَ المنابرَ ويقِفَ في المُجتمعاتِ لإرشادِ النَّاس إلى ما يُصْلِحُهم من أخلاقِ الإسلام وآدابهِ، فقد إستخدم أُسلوبَ الوعظِ والإرشادِ في حوارٍ ومنُاجاةٍ مع الله سبحانه - يَسْتعطفُه ويُمجِّدُه في سِتِّينَ دُعاءً عُرِفَت " بالصَّحيفةِ السَّجَّادِيةِ " هي أدعيةٌ شاملةٌ حافلةٌ بآدابِ الإسلامِ وأخلاقِهِ، تربية للروح، وتغذية للفكر، وبِكل ما يُقَرِّبُ المؤمنَ مِن اللهِ عز وجل. كما وضَعَ عليهِ السلام رسالةً لأصحابِه تَتَضَمَّنُ ما يجبُ علَيهم من واجباتٍ وما يجبُ لهمْ من حقوقٍ وتَشَتملُ خَمسينَ مادَّةً عُرِفَت " برسالة الحقوق "، كحقوق الزوج وحقوق الزوجة والأولاد واجبًا كان أو مندوبًا. تلك المدرسة التي تعلمنا فلسفة الوجود، كيف نحيا؟ وكيف نعيش؟ وفيمَ نفكر؟ وفيمَ نهتم؟ وما الغاية من وجودنا؟ وإلامَ منتهانا؟ وما الأحداث الحتمية التي ستمرُّ عليها في رحلتنا مع الله؟ وما أبرز التحديات التي تعترض طريقنا إليه؟ وما سُبل تجاوزها؟ ليجيبنا صلوات الله عليه عن كل ذلك ببلاغة أسلوبه، ووضوح بيانه، وروعة صوره ومعانيه الزاخرة بالنور.
كان صلوات الله عليه، جوادًا سخيًا، ورعًا تقيًا ذا مهابةٍ ووقار .. أمَّا عن سَخَائِهِ وجُودِهِ فُيروى أنَّ بُيوتًا في المدينةِ، كانتْ تَعيشُ على صَدَقاتِ الإمامِ عليه السَّلامُ ولا تدري من أين تَعيشُ، فلمَّا ماتَ عليه السَّلامُ فَقَدُوا ما كانَ يَأتِيهِمْ، فعَلِمُوا بِأنَّهُ هوَ الَّذي كانَ يُعيلُهُمْ وقالُوا: ما فَقَدْنَا صَدقَةَ السِّرِّ حتَّى فَقَدْنا عليَّ بن الحُسين زين العابدينَ .
نحن نقرأ عن الإمام زين العابدين عليه السلام: « من بات شبعان وبحضرته مؤمن جائع، قال الله عز وجل: ملائكتي ! إشهدوا على هذا العبد، إنني أمرته فعصاني، واطاع غيري ، وكلته إلى عمله. وعزتي وجلالي ! لا غفرت له أبدًا » .
لا عَجبَ في كُلِّ ما تقدَّم، فزينُ العابِدينَ عليهِ السلام، هو رابعُ الأئِمةِ الأطهارِ المُجتَبينَ، ورثةِ العلمِ عن رسولِ ربِّ العالمينَ، مَشاعِلِ نورٍ تُضيءُ للأجيالِ طريقَها إلى الخيرِ والصَّلاحِ، فأحْر بِنا أن ننهجَ منهجهم، ونسلكَ مسالِكَهم، ونتخلق بأخلاقهم، ومع القرآنِ نتبِعهم " وأنَّهما لن يفترِقا حتى يَرِدا عليه الحَوضَ .
اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا سَيِّدَ الْعابِدينَ وَسُلالَةَ الْوَصِيّينَ .
تهانينا وتبريكاتنا للجميع
وكل عام وأنتم بخير
_________
في هذه الأيام المباركة ينبغي أن نتجه إلى الاهتمام بأوضاع مجتمعنا، وأن نربّي أنفسنا على العطاء والسخاء، وأن نحسن إلى الأسر التي تئن تحت وطأة قسوة الحياة، مما أنعم الله به علينا، وبإمكان أهل الخير أن يقوموا بمساعدة هذه الأسر المحتاجة، فأفضل الصدقات هي صَدقَةَ السِّرِّ، فنتعلم من معلم السير والسلوك الإمام زين العابدين عليه السلام، ونقتدي به .. لنتخد منه قدوة ومثلًا يأخذ بأيدينا في الطريق الصاعد إلى الهدى والفلاح .
نشارككم الأفراح والمسَّرات/ منصور الصلبوخ.

تعليقات
إرسال تعليق