( بين دهشة وأخرى هناك استنزاف بلا إستثناء، )

 


( بين دهشة وأخرى هناك استنزاف بلا  إستثناء، )

 دعوني أقول هنا من البداية وبعفوية تامة: كم هو مطلب جميل وحاجة ملحة، أن يحترم الجميع المبادئ والقيم الإنسانية, ولكن لم يعد البعض معنيُ باحترام ذلك! ليست الحكاية أو الفكرة هنا, أن  القلة من البعض قد بات أسوأ من ذي قبل ولا يشعر بالمبادئ ولكن! مع كثرة الوفيات و الأحداث المتسارعة التي تداهمنا قد أغرقتنا بالدهشة والتوتر والقلق. وهكذا بعد كل ذلك، حتما ستكون أمزجة الكثير منا الروحية والنفسية, لا تسمح ولا تتيح للبعض بإحدى لحظات الفرح بل الدهشة! حينها يضطر أن يتسلل البعض بأوجاعه بعيدا عن كل انواع الضجيج, فيتخذ البعض منا التواري ولعل البعض يجعل العزلة هي الملاذ الآمن, لإيقاف ومنع هذا النزف الذي أجهد ودمر بعض الأرواح! وهذا سر دهشتي.

 لي عدة أيام أعيش توترا وقلقا مفرطا! إزاء كثرة الوفيات بالمنطقة, والتي تستنزف عافيتنا من اللهاث واللحاق هنا وهناك لمواساة الفاقدين الأعزاء بدافع الحق والواجب الإنساني! آه وكم أشعر بدفء وشفافية مشاعري, حيث إني أفقد أقل بكثير مما أربحه وأكسبه من خلال مواساتي الجادة لمجتمعي، وحتما كالغالبية من الأشخاص أيضا ! نعم لقد ربحت خاصة نفسي وما قصدته هنا, إن مجتمعنا الأصيل ليس محل استيعاب واستعراض  بل محل إحساس ومشاعر, حيث يجد البعض منا طريقا إلى قلوب الناس قبل عقولهم! بما نتوجع لوجع الغير! ولا ينبغي أن نتوارى عن الأعين ونفاجئهم بالغياب المؤقت. وهناك من يفاجئ بالحضور المتألق, فالمعذرة هذا ما ألمحه بنفسي ولكن! أين الجمال الذي بداخلنا!؟ لنعيد تشكيل أرواحنا الحقيقية ونعيد للمجتمع وجهه الحقيقي! ولم يخطر على بالي غير إني أتعجب من تلك اللحظة التي لا تزال تستنزف بعض دهشتي.

   هذا ما قرأته ذات مرة, ولعل  القارئ قد يعيش ما عشته من إحساس, حيث عقل الإنسان يعمل في أغلب الأحيان كما ينبغي وكذلك القلب، عندما تتغير منزلتنا فقط القليل جدا يَتذكر ما كانت حياتنا قبل ذلك, كانت هناك فتاة فاقدة البصر, كَرهت نفسها لأنها كانت عمياءَ، وكرهت كل شخص في الدنيا, ماعدا حبيبها المحبّ, وهو الذي كَان دائماً بقربها, أخبرت الفتاة حبيبها: فقط إذا تمكنت أن  أَرى العالم فسأتزوجك, في أحد الأيام تبرع شخص ما بزوج من العيون إليها وعندما تم إزالة الضمادات, أصبحت الفتاة قادرة على رؤية كل شيءِ بما في ذلك حبيبها! سَألها: (الآن بما أَنك قادرة أن تشاهدي العالم, هَل ستتزوجينني)؟ نظرت الفتاة إلى حبيبها وكانت مفاجأة لها أنه كان أعمى, وجفونه المغلقة صَدمتها, وهي التي ما كانت لتتوقع ذلك, وفكرت بأنها ستقضي بقية حياتها إلى جواره, مما دفعها لرفض الزَواج به تركها باكياً وبعد أيام كَتب إليها مُلاحظة : رجاءً أعتني كثيراً بعينيِك يا حبيبتي، فقد كانتا عيناي من قبل. ( بكيت كثيرا لهذه القصة رغم قراءتي لها عدة مرات من مدة طويلة و لايزال الموقف يدهشني ).

 سألتني إحدى السيدات ذات يوم ومن وقت قريب جدا في أحد مجالس العزاء, عندما استمعت لقراءة نصا رثائيا بإسمي قائلة لي: هل أنت متخصصة في كتابة الرثاء فقط!؟ وطلبت مني بكتابة نصا بشأن ما يخصها! ولأني مدركة إنها لا تقرأني ومستواها الفكري متواضع لذا, لم يستفزني ذلك لتلقائية تلك السيدة! وهنا اقول لها ولغيرها ممن لم يتعرف على فكري وطبيعة نصوصي! بأن طقوس الكتابة لدي مختلفة, حيث أرى فيها المسؤولية الجادة، لذا ما يدهشني في كتاباتي ليس بما أكتبه, ولكن كيف ومتى أكتب، بمعنى كيفية طرق النصوص المألوفة دون تصنيف.

 وسر الدهشة هنا!  إن الكتابة لحظة فالتة لا يمكن القبض والسيطرة  عليها, وكما إنني لا اكتب تحت الطلب ولا أقع فريسة ابتزاز الأحاسيس المتحمسة , فإنني اكتب بعيدا عن كل ما هو انفعالي! غير إن كتاباتي أحيانًا تفيض لتأخذ مسارات أبعد واعمق من ذلك! حيث الكتابة لا تبدأ عندي بنية مسبقة أوتخطيط سابق بل تبدأ من لحظة بأنها قابلة لنبض مشاعري. دعوني أنتهز الفرصة, لأرد على البعض بإنني لا أرى في كتاباتي جرأة خارجة وإنما  اكتب بالواقعية  رغم خيالي وبحدود الحرية في اطار المفردة الملتزمة والمحترمة! لأجد نفسي نصا يُقرأ بين الناس قد يأخذني لعالم الدهشة الذي لا يشبه شيء ولا حتى المطر في الصيف.

وهنا التمس العذر ممن يظن نفسه بين السطور! وعذري إنني أعيش لحظة الدهشة لحظة بلحظة مع من يستوقفني  بطريقة او بأخرى لأهديها لمن يستحق دهشتي.

 غالية محروس المحروس

تعليقات