#خاطرة_الجمعة « جلاد أثيم »
من أشد التقاليد العرفية صرامة في مجال تربية الأبناء أيام زمان هي ظاهرة العقاب البدني .. أسلوب للتأديب، ويبدو هناك بلبلبة حوله، فمعظم الأهالي الذين ينتمون إلى جيل أكبر من الجيل الحالي يميلون إلى هذا الأسلوب من التأديب، ويرون إلى أنه مفيد في العملية التربوية، في حين يراه فريق آخر على الضد من ذلك. ونحن لا يعنينا هذا التردد لدى الناس، ما دام المشرّع الإسلامي قد حسم الموقف بوضوح، وأقرّ ضرب الطفل دون الحد من أجل ضبط سلوكه والتحكم فيه . إنَّ ما نودّ التشدد عليه هنا، هو العقاب البدني القاسي، وحيال هذا النوع من التأديب الذي كان ولا زال يشكل وسيلة تربوية ذات أثر بالغ الخطورة من حيث انعكاسها على شخصية الطفل المستقبلية، طرحتُ هذا الموضوع بوضوح، وبعيدًا عن الحكم الشرعي، الذي يمكن الرجوع له من خلال مقالة للشيخ حسين البيات دام عطاؤه، رابط المقالة (هنا ..... )
هناك أناس كثيرون في أيامنا هذه يستعملون الطريقة السلبية من العقاب من ضرب مؤلم وإهانة بالغة، مما يجعل الطفل يعيش في خوف مستمر ورعب دائم. العقاب البدني في مجال التربية الطفلية قد تولِّد في نفوسهم عقدًا نفسية وأضرار جسدية يصعب القضاء عليها، وهي سلوكيات غير مقبولة في قيمنا الدينية والإنسانية، كون (الجلد) عقاب صارم إذا قيس بمجرد الضرب العادي مثلًا .
قبلًا، كان من المعتاد أن الأهالي يرسلون أبناءهم إلى الكتّاب عندما يقتربون سن السابعة من أعمارهم، وكان يطلق على معلم الأولاد لقب «مطوع أو مُلا» وهو المعلم الوحيد الذي يقوم بتدريس القران الكريم ومبادىء القراءة والكتابة.صاحب شخصية وقورة ومهابة، يحمل باستمرار عصا لا يبخل في استخدامها عند الحاجة إليها، في تلك الأيام نجد الأب يصطحب أبنه إلى المُلا أو المطوع، ممسكًا بأذن إبنه وجرّه قليلًا وهو يقول للمُلا: اللحم لك والعظم لنا، تلك الكلمة الملعونة تسمح للمُلا بضرب الطفل ضربًا مؤلمًا، تفوق قدرته الجسدية على التحمل !! لقد ختمنا القران الكريم في الكتاتيب، ودرسنا العلوم والحساب والخط والتاريخ والقواعد وبقية المواد الدراسية في المدرسة، وكان عقاب المقصر جلدًا .. كون الجلد عقاب مؤلم سواء استخدم المربّي العصاة أو المسطرة أو كف اليد، أو ضغط القلم بين الأصابع، أو الوقوف على رجل واحدة لفترة طويلة أو وضع الرجلين في الفلكة، كلها أدوات تستخدم في هذا السبيل. هذا ما كان عليه جدي وأبي، والمعلم من بعدهما، وبقية الناس قبل أكثر من خمسة عقود من الزمن.
ما زال يرن في عمق الذاكرة من حين لآخر ليُعيدني إلى سنوات وسنوات .. حينما كنت صغيرًا لم يكن هناك شيء يرعبني أكثر من نظرة والدي - رحمه الله - الحادة، حيث كان الرعب يدب في قلبي، فأنكمش في مكاني، دون الحاجة إلى العقاب الجسدي.هذه الطريقة الإيجابية في التأديب، التي لا تنتقص من كرامة الطفل ومشاعره وعواطفه، تدفعه إلى التقيد بالأوامر وبالطاعة مما يساعده على كسب الثقة بنفسه وثقة والديه به.
إذن، لماذا كانت تلك الأساليب التربوية أو التعليمية البدائية والعقيمة المتسمة بالقسوة والتخلف يميل إليها بعض الآباء والمعلمين في تلك الحقبة؟ تدفعني هذه الذكرى إلى استعادة سلوك أستاذ القواعد بالصف السادس الابتدائي، كان يتسم بالقسوة بخلاف بقية المدرسين، إذ أتت الخاطرة عنه تحت عنوان «جلاد أثيم» إذ ترك أسوأ الأثر في نفوس الطلاب،كان مفرطًا في الضرب، ينظر إلى الطلاب بنظرة حقيرة لا تستحق منه إلا العنف والاحتقار، وحتى من يحسن في درسه لا يظفر منه بكلمة تشجيع . نعم، كان شخصًا قاسيًا، لم يردعه ضمير أو خوف من الله في نفسه، هو بحاجة شديدة إلى تعلم قواعد ومبادئ التربية الواعية المبنية على الأسس الإنسانية التي تبني قيم الرحمة والاحساس بقيمة الآخر. سأظل أتذكر تلك المرحلة الدراسية المريرة في حياتي، تذكّرتها، وما كان لي أن أنساها، اختلطت فيها الآمال بالآلام، تجرعنا فيها مرارة الحياة. بات اليوم الضرب أمرًا مهينًا ومستهجنًا، بعدما كان في هو السائد قبل جيل أو جيلين أو أكثر .. غير أن التشدد في هذا السلوك الذي يحدد قواعد التأديب ينطلق من سمعة العائلة في كيفية تربية أبنائها، حتى أصبح الكلام والضحك مستهجنًا في مجالس الرجال وامام الكبار، فقط للاستماع والإصغاء، هذا يثير استهجان الكثير في زمننا الحاضر .. آباؤنا وعوائلنا وبيئتنا التي نشأنا فيها لم تكن في المستوى المطلوب من الوعي والالتزام بالقيم الإسلامية الصحيحة. إن أغلب العوائل في مجتمعنا لا تعرف شيئًا عن أساليب التربية الصالحة ولا عن مناهج الإسلام في التربية وتوجيه الأبناء، وإن الثقافة التي يحملها أهالينا والتي يغرسونها في أذهاننا ليست نقية وصافية، وإنها مشوبة بالأخطاء، وحينما يتربى الطفل في مثل هذه الأجواء فإنه حتى وإن توفق لإصلاح نفسه واهتدى إلى الصراط المستقيم في حياته فإن رواسب تلك التربية والبيئة، يبقى بعضها في نفسه وقد تلوث تفكيره وفهمه الصحيح.
وأخيرًا ، ربما هذه السطور لا تكفي لقول كل شيء، لكنها حياة صاخبة تستحق أن نرويها لأبنائنا .. نعم إنها ذكريات لعل من الخير أن نذكرها لشباب هذا الجيل الذي لا يعرف الكثير عن الحياة التي كنا نعيشها، لقد كان الضرب في تلك الأيام من أكثر السلوكيات الشائعة التي أثارت فينا الرعب .. الوسيلة التربوية التي نتعامل بها لكل خطأ نرتكبه، تعوّدن تلقّيه .. ولكن هذا لا يعني أن لا يستعمل الضرب مطلقًا في عملية التأديب والعقاب، فإن المشرع الإسلامي قد سمح لولي الصبي أن يضربه في حالات عدم جدوى الطرق الإيجابية ولكن لا إلى حد الإيلام الشديد الذي يترك آثارًا على الوجه أو الجسد، وبالإضافة إلى هذا الشيء وردت أحاديث ترشد الآباء إلى نوعية العقاب الذي يجب عليهم ممارسته تجاه أطفالهم، لكي يحافظوا عليهم، فقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام إنه قال لأحدهم سأله عن كيفية تأديبه لولده: « لا تضربه ، واهجره ، ولا تطل »،
-- اللهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ .. نسأل الله - جل جلاله - أن يشافي مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات، ويرحم موتانا وموتى المؤمنين والمؤمنات إلى المقام الخالد مع الطيبين الأطهار، اللهُمَّ صَلِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلٍ مٌحَمَّدٍ .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
_________
-- كثير من الآباء والأمهات يتصرفون على أساس أن لديهم سلطة على أبنائهم، وهذه السلطة - في نظرهم - ناتجة عن الشعور بملكية هذا الطفل الذي كان الأبوان سببًا في مجيئه إلى الدنيا ..! المشرع الإسلامي بيَّن لنا الطريقة التي يجب علينا أن نتبعها في تربية أطفالنا وذلك بأن نعمد إلى تربيتهم على غير التربية التي تلقيناها نحن، وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام ما يؤيد ذلك وهو قوله: « أدبو أولادكم بغير آدابكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم » .
محبكم/ منصور الصلبوخ.

تعليقات
إرسال تعليق