#خاطرة_الجمعة « صنَّاع الحياة »
يا للحياة ..! إنه مسكين .. لا تكاد تقع عليه العين حتى تدرك أن حركاته تستدر العطف والشفقة، ما أن رآني في ممر قاعة الإنتظار بمركز غسيل الكلى في مستشفى القطيف المركزي حتى تحامل على نفسه وأهاب بي: الرحمة يا أصحاب الأقلام.
ونظرت فإذا رجل لا يتجاوز عقده الرابع يترنح أمامي في قامة تفككت أوصالها وماع جذعها حتى لا يقوى على الوقوف أو سحب جسده إلا مستندًا على حائط أو باب قريب، ولا تخطو قدمه إلا متكئًا على كرسي أو مكتب، أما أطرافه فلا تنفك ترتعش في شكل حزين، أما لسانه فيلوك الكلمات ولا يكاد يفصحها.
قلت: مهيم. قال: أهدا أنت تراني انهكني المرض من سنوات وسنوات وقد قيل أنه لا علاج لي إلا بزرع كلى، وأنا كما ترى موظف بسيط متزوج ولي أطفال لا أكاد أجد ما أطعمهم فمن أين لي ما أنفقه على علاجي، فحالتي المادية لا تسمح لي بزرع كلية، أمامي فقط ذلك الإنسان الذي انتظره ليتفضل عليّ وينقذني من معاناتي، وإذا لم أجدهُ فسأبقى مستسلمًا لجلسات الغسيل الكلوي، لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع، كل منها تستمر لمدة ساعتين. وأنا اليوم أخوض غمار البحث عن متبرع بإحدى كليتية، وإلى ذلك اليوم ستظل حياتي متأرجحة بين الحياة والموت، أعاني من هدير الآلات، والتقييد بأنبيب متصلة بأجهزة لا فكاك منها أو خلاص حتى يتقدم متبرع يخلصني من شلال الألم والمعاناة - الكابوس المرعب - سأنزف آهات الوجع والعذاب أترقب خيطًا باهتًا يخرجني من الرعب والبؤس والآلات. هكذا هم مرضى الفشل الكلوي، هم بحاجة إلى من ينقدهم، لتدب فيهم حياة جديدة، نأسف لما وصل إليه هؤلاء المرضى من معاناة مرضية ونفسية واجتماعية، تملكهم احاسيس في الرغبة في الحياة.
هذه واحدة من الحالات المرضية التي نصادفها بين حين وآخر، وتشكل خطورة بالغة خصوصًا لمن لديهم فقر الدم المنجلي .. المرض الذي يعاني منه مجتمعنا.
ما يمر به مريض الفشل الكلوي من آلام مبرحة وتدهور صحي أغلقت كل نوافذ الحياة عليه، وأدت إلى متاعب مستديمة وإلى نتائج مأساوية !! نعم، ما يمر به المريض من متاعب ومضاعفات خلال فترة حياته اليومية أكثر من أن تعد أو تشرح، وهي في تزايد مستمر مع تقدم سنوات العمر، وتسارع وتيرة الحياة في ظل تزايد العلاجات الدوائية، والأغذية المصنعة، والمياه المعالجة - أسوأ فصول العبث بالقدرات الطبيعية للجسم البشري - وعلاقة كل ذلك بأمراض الكلى. وصار كثير منا وهو يشتري متطلباته من مراكز التسوق، أو مخازن الأدوية يحس بشيء من الخوف ويشعر بهاجس يلازمه من أن يكون مشتريًا حتفه بنفسه فهو لا يدري مدى تأثير تلك الأدوية الكيميائية والأغذية المصنعة على أجهزته الحيوية، هذا الهاجس والخوف الكامنان ليس مجرد مانشتات عريضة وضجيج مفتعل، ولكن الحقيقة الأكيدة هي تزايد معدل الإصابات بالفشل الكلوي، الكثير من المرضى يرتادون يوميًا مراكز غسيل الكلى، وقد تستدعي حالتهم البقاء فيها مدة. نعم واقع منهك وصراع يعيشه المريض، مرهون بصمود وإصرار على البقاء معذبًا طول الحياة، ولا يجد سبيلًا إلا الخلاص من معاناته !!
زرع الكلى يعتبر جراحة آمنة، وحققت نجاحات كبيرة في عالم الجراحات الطبية، ولا يمكن مقارنتها بعمليات أخرى كزرع قلب أو رئة أو كبد أو نخاع عظم أو حتى إزالة ورم خبيث في الدماغ التي تحتاج دراسة وتقنية عالية. وتزداد نسبة نجاحها إذا أخذت من أخ أو أخت أو أب أو أم أو ابن بسبب العامل الوراثي.
إن قيمة الإنسان هو ما يقدِّمه من جهد وخير لأهله ومجتمعه وللإنسانية جمعاء، محتسبًا عمله وعطاؤه الإنساني عند خالق الكون عز وجل.
ما أجمل المسارعة للتبرع بالدم أو الأعضاء لإخواننا وأهلنا وأصدقائنا ولكل إنسان محتاج لما فيها من مضامين رائعة ومعانٍ قيِّمة وكثيرة ولمسات إنسانية تؤكد أهمية الحياة الحافلة بالعطاء .. ذلك العطاء أو البادرة الإنسانية أهميتها في حياة الإنسان .. إنهم صادقون في دعوتهم لا يطلبون أجرًا ولا مغنمًا .. إنهم أناس ربحوا خيري الدنيا والآخرة .. فتلك هي حياة القلوب وهمم النفوس الراقية .
-- اللهم أجٍعًلَنِآُ مُنِ آُلَذّينِ يزًرعًونِ آُلَخِير فَي آُلَدَنِيآُ ويحُصْدَونِهً فَي آُلَآُخِرة .
اللهم شافي وعافي مرضانا وارحم امواتنا وسدد خطانا واغفر لنا ولوالدينا واطل في أعمارنا وأعمار اهلنا بحق محمد و آله الأطهار .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد.
_________
-- التوجه للعمل الإنساني نراها هدفًا يستحق العمل لأجله، فصنّاع الحياة يبادرون للتبرع بالدم والأعضاء .. ولكن على نطاق ضيق، وهنا نتوقف أمام أعمال إنسانية محدودة لا تمثل القيم والمبادىء الإنسانية التي جاء بها رسول الإنسانية.
محبكم/ منصور الصلبوخ.

تعليقات
إرسال تعليق