#خاطرة_الجمعة « الحاجة إلى الحب »
في عالم يحكمه الحقد والضغينة بين البشر، يصعب على الإنسان أن يتصور الأعداء الأزليين والصداقات الحميمة، ومع ذلك فإن نشكو من الأصدقاء مر الشكوى ولا ندري انهم يشكون منا نفس الشكوى، نعاملهم بأنانية وبحقد وشك، ونريد منهم أن يؤثرونا على أنفسهم، وهذا محال، فالصداقة أخذ وعطاء، تريد أن يبدأك صديقك بالجميل ولا تبدؤه، تريد أن يخلص لك الود والحب ولا تخلص له، ألا ليتنا نتذكر دائمًا أن الصداقة أجمل شيء في الوجود، فنصادق بوعي وبصيرة ولا نتأثر بما يردده بعض الناس بما فيهم الأدباء والشعراء الذين يشكون مر الشكوى من الأصدقاء على مر الزمن.
كلنا يرغب - طبعًا - في أن تكون له شخصية محبوبة، إذ كثير ما نرى أن الشخصية الجذابة أهم بكثير من المال أو الجمال أو الجاه وأنها تنيل صاحبها - في الغالب - جميع ما يصبو ويطمح إليه، فهي رصيد غني بوسعه أن يعتمد عليه في جميع نواحي الحياة وميادينها.
الإنسان - كما يقال - ابن عادته، فسلوكنا الشخصي هو مجموعة العادات التي تعودنا عليها طوال حياتنا . فلماذا إذن لا نحرص على تنمية شخصياتنا وتثقيفها؟ ولماذا لا نهتم بما يقوله الناس عنا؟ ولماذا لا نحاول ارضاءهم وعدم الإساءة إليهم؟ فالإنسان بعد أن بلغ ما بلغ من الرقي والحضارة في عصرنا هذا، لا غنى له عن أخيه الإنسان وعليه بالضرورة أن يعايش الآخرين لتستقيم له الحياة. فمصالح الناس تقتضيهم أن يجتمعوا ويتعارفوا ويتصادقوا ويتعاملوا فيما بينهم. وليس في عصرنا هذا من يستطيع أو من يقبل أن يعيش في معزل عن البشر، إذ أن على المرء بالضرورة أن يعيش مع الآخرين لسبب واحد بسيط هو إن شخصيته لا يمكن لها أن تتحدد إلا عبر الآخرين وعبر مقاييسهم ومفاهيهم.
دعوني أستشهد بكلمة رائعة للإمام علي عليه السلام حيث يقول فيها: « الناس إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق » هذا يعني أن القواسم المشتركة بين البشر قائمة على « أخوة الدين » أو « التناظر الخلقي ».
ما زالت علاقتنا بالآخر هي علاقة كرٍّ وفرّ . فما بالك إذا كان الآخر زوجًا أو زوجة، أخ أو أخت، صديق أو جار، هي علاقات متأرجحة مدّاً وجزْرًا.
حاجتنا إلى الحب تعني أن الفرد يحس بالحاجة إلى أن يكون موضوع حبّ من الآخرين يحسسونه بآدميته، بكيانه، بشخصيته، لا أن يكون موضع نفور وكراهية أو إهمال.
مبدأ حب الآخر سمة المؤمن « أن يألف ويؤلف » أي أن يحب الآخرين وأن يحبه الآخرون.
-- نشأت على حبّ الخَلْقِ، وعُرفتُ كذلك بين من يعرفني، إلى الحد الذي حمل بعض الأصدقاء على إسداء النصح لي بأن لا أكون (طيب السريرة) مع كل الناس، حاضرَ الثقة بهم، إلا أن طبعي وطبيعتي ما فتِئَا يتمردان على هذه النصيحة، مقتديًا بوصية النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين سلام الله عليه: " يا عليُّ ، ألف صديقٍ قليلٌ ، وعدوٌّ واحدٌ كثيرٌ " فالأصل في البشر الطيبةُ وحسنُ الظن، فعاملهم كذلك، حتى يظهر العكسُ، ثم أحكم بما ترى، لا بما تسمع أو تظن !! أما إذا اختلفتُ مع أحد اختلافًا اقترن بسوء ظن، ألهمني النسيانُ ..الغفرانَ .. إن كنتُ مظلومًا، وإلاَّ سعيت من تلقاء نفسي طلبًا للصلح والعفو، إن كنت غير ذلك !!
يا صاحبي ! إن الإنسان المؤمن لا يكون مؤمنًا حقًا، إلا إذا أحب أخاه، وأكثر من هذا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، قال صلى الله عليه وآله: « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ». أتعرف يا صاحبي إنك لا تستطيع أن تحب الله إن لم تستطع أن تحب أخاك؟ أتعرف أن حب الإنسان أخاه الإنسان رياضة يروض بها الإنسان نفسه على حب الله؟ أتعرف أن الحب الإنساني درجة أو مرحلة في طريق الصعود إلى حب الله؟ أتعرف أن الأتقياء الذين ذابوا حبًا بالله، تدربوا قبل حبه بحب مخلوقاته؟ أتعرف أن المثل الأعلى في هذا التدريب ضربه رسول الله صلى الله عليه وآله في المؤاخاة بين كل رجلين من أصحابه؟ أتعرف يا صديقي لو كنا نحن جميعًا غرسنا الحب في قلوبنا لما كنا بهذا المستوى المهين؟ ولما كنا نحن المؤمنين ننساق وراء حالة التباعد والقطيعة.
إذن ! إلى أين نسير يا صاحبي؟ وماذا نفعل يا صديقي؟ أندعي الإيمان وقلوبنا ملؤها الحقد والكراهية؟ أندعي حب الله ونحن لا نستطيع أن نحب عباد الله؟ أأصوم وأصلي، وأدعي التدين والإيمان، وقلبي خالٍ من حرارة المشاعر، وصفاء النية؟! لا شيء في هذه الحياة يستدعي الحقد على الآخرين، أو بغضهم، أليسوا عيال الله الذي لم نرَ منه إلا جميلًا ؟
ما يحدث في مجتمعنا من تغير كبير بروابطنا العائلية، وصلاتنا الاجتماعية، وبعلاقاتنا الإنسانية، وصلنا إلى حالة القطيعة وتفكك الترابط بين الأفراد، وهكذا نرى تباعد الأخ من أخيه أو أخته، والأب من أبنائه، والأرحام والأصدقاء والزملاء وغيرهم، ناهيك عن صعوبة تحاور الزوج وزوجته وأبنائه .. وكثيرون يتمردون على أهلهم، يخرجون من البيت، وينقطعون عن أسرهم وذويهم، هذه سيئة من سيئات العصر.
عجيب في هذا الزمن الذي نعيش بينه اليوم، نرى علاقة الأخوة علاقة عادية جدًا، أو لنقل علاقة باردة وبلا طعم، مجاملات في المناسبات والأعياد، كلمات جوفاء في حالة المرض، ولا يوجد شعور متبادل بأن الآخر منك. وأعجب لِمن لا يفرح لأخ بنعمة تصيب أخاه ! ولِمَ يكيد له؟ إنها النفس البشرية الأمارة بالسوء !!
وأخيرًا، علينا أن نكون عصاميين في صداقاتنا مع الناس، وأن نواجه القطيعة منهم، إن حصلت بالصلة. ففي مقابل كلمة نابية، أو خطأ من صديق، هنالك التسامح والعفو، ذلك أن الصديق له قيمة، لا تقدّر بساعة غضب، أو حالة طيش، وإنما تقدر بالحياة كلها.
وبعد، فمتى نستيقظ من سُبات، ونصحو من غفوة، ونستقيم من عوج .. فيتحرك الضمير نحو الخير والهدى؟ ولكي نسلك سبل الخير والسعادة؛ علينا أن نوثق صلاتنا الشخصية، وعلاقاتنا الإجتماعية، وروابطنا الإنسانية، حتى تفيض النفس بالحس الانساني، فنكسب بذلك مودة من حولنا، ونظفر بثقتهم، وتعمَّنا رحمة الله وعنايته.
[ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ، وَارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً، وَاجْزِهِمَا بِالإِحْسَانِ إِحْسَاناً، وَبِالسَّيِّئَاتِ غُفْرَاناً، اللهُمَّ اغْفِرْ للمُؤمنينَ والمُؤمناتِ الأحَياءِ مِنهُم والأمّواتْ، وَتَابِعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِالْخَيْرَاتِ ..] نسأل الله سبحانه وتعالى أن يشافي مرضانا ومرضاكم ومرضى المؤمنين والمؤمنات وأن يقضي حوائج الجميع بمحمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
________
عندما تدعو لغيرك فأنت تعلن شعورك بالآخرين، ورغباتهم، وآمالهم، وأحزانهم، وآلامهم، تألم لأجلهم كما تألم لنفسك، « وتحب لهم ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لها ».
محبكم/ منصور الصلبوخ.

تعليقات
إرسال تعليق