# خاطرة_الجمعة « الِصّيام رَوْحٌ وَرًوحَانَيّة »
حينما يحل رمضان تحاصرنا رياح الأطباق الرمضانية .. موائد وأشكال وأنواع، فيه تمتلىء النفوس طمأنينة وفيه تفتح الشهية ويسيل اللعاب، فرمضان الذي جُعِل شهرًا للعبادة والتقوى والمغفرة تحول عند البعض شهر للطعام، هم يتزاحمون في الأسواق ومحلات بيع الأطعمة للاستئثار بأكبر قدر ممكن من المأكولات والمشروبات الرمضانية.
على موائد رمضان تُقدم أصناف شتى ترص وتفرش وتغص بأنواع المأكولات والمشروبات، ويتحلق حولها أفراد الأسرة، لتعيش روعة هذا الشهر الكريم.
إن صيام شهر رمضان مفيد للصائم فبجانب كسب رضا الله سبحانه وتعالى، هناك الكسب الصحي الذي يناله المسلم من صوم شهر كامل، حيث يوفر فرصة عظيمة للشفاء أو تقليل مخاطر الإصابة بكثير من الأمراض.
وهنا ينبغي لنا أن نتوقف للحظة ونحن نعيش في رحاب هذا الشهر الكريم كي نبثّ ثقافة تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة والعادات الغذائية المدمرة التي أصبحت سمة رمضانية في مجتمعنا، ومن أبرزها كثرة الأكل، وقلة الحركة، وما تحمله من نواقيس خطر على الصحة.
هل حدث لدينا انقلاب غذائي كبير تتجاذب أطرافه معطيات الحياة الثرية بكل نِعَم الغذاء الظاهرة العامرة على موائدها؟ هذا السؤال يتبادر إلى الذهن كلما وقفنا محتارين أمام أصناف الطعام التي نراها في رمضان، وبالتالي الوصول إلى مرحلة الإفراط في الشبع وما يتبعها من ابتذال وإسراف وتبذير لكميات من الطعام .. فصار مألوفًا أن نرى من يطلبون في حاويات القمامة بعض ما يأكلونه أو يطعمونه من يعيلون. نعم تتعطش كثير من المجتمعات لمثل تلك الموائد ولا تحصل على ربعها، سلوكيات وممارسات تشكل بالفعل واقعنا الإجتماعي، وتميل أكثر فأكثر صوب جملة متاعب صحية وأمراض. يقول الله سبحانه وتعالى: « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ » (سورة الأعراف، الآية ٣١). فالإسراف أمر لا يحبه الله، وقد جعل سبحانه وتعالى حفظ النعمة وعدم الإسراف عبادة يثاب عليها المؤمن.
فالإسراف في الأكل يُعرقل وظائف أنظمة الجسم، فالكثير من الأمراض سببها الإفراط في الأكل. أما الاعتدال في الأكل يجعل الصائم يشعر بالخفة والنشاط، وتساعده على التواصل مع ذاته الروحية والتأمل والخلوة والاتصال بالله. قال لقمان الحكيم لولده: « يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة» (بحار الأنوار، ج٧٩ ،ص٣٥ ).
غذاء الجسم ارتبط بالحالة الروحية والمادية، فالإفراط في تناول الطعام يأتي على حساب صحة الإنسان وحضور القلب التي يحتاجها المؤمن للوصول إلى جناب القرب من الله سبحانه و تعالى، حضور القلب مؤشر إيجابي لقبول العمل « وأعود بك من نفس لا تقنع ومن بطن لا يشبع ومن قلب لا يخشع » (مفاتيح الجنان ص٤٥) .
لا تتحقق المنفعة الجسمية والروحية من الصيام أن حاول الصائم أن يملأ معدته بالطعام ساعة الإفطار، كمن ينقم من نفسه لبقائه ساعات بدون طعام وشراب. لو تأملنا حالنا اليوم مقارنة بما كان عليه الآباء والأجداد، كيف كان الناس يعيشون هذا الشهر الكريم مع قلة الموارد المادية، يكدحون خلال النهار بجد ونشاط، يقيمون الليل شاكرين لله،، ولو تأملنا في المقابل صيامنا في الوقت الحاضر، لوجدنا كثيرًا من الأخطاء الغذائية والصحية والنفسية، فالكسل والخمول هما من سمات نهار كثير من الصائمين في هذا الشهر الكريم، والسهر وتضييع الأوقات والاكل والشرب من سمات ليلهم الطويل، فنجد أن كثيرًا من الناس تزداد أوزانهم خلال هذا الشهر الفضيل، حيث يلتهم الصائم ضعف الكمية التي يتناولها خلال شهور السنة الأخرى، وذلك لتعويض ما فاته خلال النهار، فالأكل فوق الشبع مضر بالجسم والعقل والروح، ويجعل الإنسان متعبًا وخاملًا، فيبعده ذلك من التفكر والتدبر.
-- نبكي ونذرف الدمع السخين على أهلنا وأحبتنا وأبناء مجتمعنا كانوا بيننا وأمام أعيننا وفجأة وفي غمضة عين غادرونا، اللهم أرحمهم وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
_________
-- لنجعل من هذآ الشهر فرصة لكسب عادات إيجابية تعود على جسد الصائم بالنفع، كما تعود على روحه بالطمأنينة والراحة والتقوى، وحينها سنتواصل مع ذاتنا الروحية والتأمل والشعور بالخفة والنشاط .
محبكم/ منصور الصلبوخ.

تعليقات
إرسال تعليق