#خاطرة_الجمعة « رمضان أيام زمان » / ا. منصور الصلبوخ


 #خاطرة_الجمعة « رمضان أيام زمان » 

يحلو الحديث عن رمضان، ويزداد الشوق إلى لقائه، تعي الذاكرة الكثير مما كان يطبع العادات الرمضانية قبل خمسين عامًا، عندما كنا صغارًا، لم نكن نعرف في الدنيا شيئاً سوى ديرتنا، كان أولاد الديرة يتشوقون لمقدم الشهر الكريم إذ يجدون في لياليه المقمرة فرصًا للعب والجري، فيملأون أجواء الديرة بصياحهم ومرحهم، كانت الحياة بسيطة ولكنها غنية بالأدب والقيم الرفيعة وكل المعاني الجميلة، لي ذكريات محببة لا زلت أحن إليها، ذكريات لها جذورها الممتدة فيما سلف من سنين، حين كان رمضان - لا كعهدنا به الآن - الشهر الذي تتأهب القلوب لاستقباله، كان رمضان يفد بمعان كلها نور، وكانت الفرحة بانتظاره أتم وأوفى، وكان يوم ايذان حلوله يومًا له جماله وجلاله في أعماق القلوب، كان القلب طوال الشهر روحًا مضيئة تستشف جمال الوجود وجلاله، وكانت الساعات التي تعقب الإفطار ساعات سمو وتسام لا يجدهما المؤمن إلا في رمضان .

لا تزال ذكراها عالقة بذهني مذ كنت صغيرًا، تطربني أصوات باعة المأكولات الذين تعج بهم الأسواق قبل الإفطار، وكذا مائدة الإفطار مائدة لها عراقة وأصول، جاءت من عبق الماضي، وحظيت باهتمام كبير من آبَائنا وأجدادنا وأمهاتنا، كانوا يحرصون بإعدادها والاجتماع حولها بعد أذان المغرب، وتعد فرصة طيبة لربة البيت الشغوفة منذ نعومة أظفارها لإظهار مهارتها، حيث تقف في المطبخ الأصيل " مطبخ الأم " وتدور في أرجائه لتحضر أفضل الطبخات وألذ المأكولات من منطلق أن لها نكهة وطعمًا مختلفًا، تُطهى على نار هادئة، متقنة الطبخ وجيدة الهضم وبنكهتها الطبيعية .. مائدة مليئة بما لذ وطاب .. وقبل إعدادها يتم تبادل الأطباق بين الأهل والجيران، يهدي كل جار جاره صنفًا أو أكثر من الأصناف، وهو عرف سائد في مجتمعنا يدل على التآلف والمحبة والتكافل الاجتماعي.

وفي لياليه يحلو السهر، وتفتح المجالس ودور العبادة لأهالي الحي، كبارًا وصغارًا لإحياء ليالي رمضان بتلاوة القرآن الكريم والأدعية المأثورة وتشجيع الأطفال وتعويدهم على القراءة منذ الصغر.

هكذا كان حال رمضان فيما مضى، بل هكذا كان حالنا نحن على الأصح، فإن رمضان لم يتغير وما كان له أن يتغير وهو الشهر الحبيب الخفيف على القلب والروح، هو نفسه شهر المحبة والتوادد والتسامي على ماديات الحياة. إنما الذي تغير اليوم ظروف الحياة التي تحيط بنا والتي طغت بفكرها المادي على ذلك الإحساس الخاص الذي كان يحمله الصائم وهو نقاء النفس وصفاء الروح، ليدرك حكمة الصيام ومغزاه، فلا تثنيه مطالب الحياة وضرورات الكدح عن احلال ذلك الشهر محله من القلب.

كان المؤمن يصوم صيام جسم وروح، صيام من انصرف عن لهو الحياة ومغرياتها إلى بارىء هذا الكون الذي فرض الصيام للحكمة التي أرادها جل وعلا لخلقه، فكان المؤمن ينصرف بتفكيره عن كل شيء عدا ما هو واجب التفكير والتأمل في ذلك الشهر. فليس الصيام كما عرفناه مجرد امتناع عن تناول طعام وشراب، إنما كان هذا الامتناع نفسه وسيلة لأن يؤكد الصائم لنفسه القوة الروحية الكامنة في ذاته، تلك القوة التي تستطيع أن تسمو به عن سفاسف الحياة ومتاعها الزائل .. ما أحوجنا اليوم إلى العيش في رحاب الله سبحانه .. لحظات تغمر نفس المؤمن بالإيمان، وهي من أثمن اللحظات التي يفتقدها الكثيرون في عصر كعصرنا تكاد ماديات الحياة وأوضارها أن تطغى فيه على الروحانيات.

-- دعواتي لكم بقبول صيامكم وصالح اعمالكم ويغفر الله لي ولكم، وأن يحفظكم ويشافي مرضاكم ويرحم موتاكم .. يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، يارب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. 

 ~ أول جمعة رمضانية مباركة على الجميع ~  

_________

-- رمضان أيام زمان يتميز بالروحانيات التي نجدها في داخل المساجد ودور العبادة وحلقات العلم متمثلًا في عباد الله، انقطعوا للذكر والصلاة وتلاوة القرآن وتدبر آياته والأدعية المأثورة آناء الليل وأطراف النهار، واستغلال ساعاته في القيام بالأعمال الصالحة، هذه الأجواء العبادية تجعل الصائم يعيش روعة هذا الشهر الكريم وجلاله .

محبكم/ منصور الصلبوخ.

تعليقات