« بؤس أموميّ جميل »


قبل السّعادة أستعيد صوت أمي إذا ما غنّت لأحلامها المكدودة و أنأى في أنغامها الممزوجة بطقطقة خطاها الرّشيقة المتنقلة بين أرجاء البيت ..

توقظ الطّير أمي ببلبلة النّوافذ حين تفتحتها للسماء الجميلة قبل صحوة الشّمس ، تنخرط في أتعاب البيت الكثيفة فتفوح رائحة القهوة ونكهة الرّغيف الذي تكويه بفنّ باذخ الجمال على تنور عدّلت أمّي حطبه المسعور!!

تستأذن الشّمس منّا و تطرق أوراق الدّالية الخضراء ، فتجد النّوافذ مفتوحة أبوابها ، تتخلّل الحديد المشبوك كجورب أنيق و تشرق في شدوَ أمّي الجالسة على جلد خروف في عيدنا الماضي و أمام قدميها الملفوفة تدور رحى عبّأت كوّتها العلوية كفّ امّي بما تيسّر من حبوب أرادت تجويدها ..أو تشرق في رقرقة الماء المسكوب على بلاط الأرض و قد لعقتها المكنسة منذ قليل أو تتلهى الإشراقة في الملاءات المشدودة على حبل الغسيل استعدادا لمهمة انتشار الكسكسي على مساحاتها المطروحة من أجل يباس الدّقيق المصنوع .

ترحل نخزة الإشراقة خلف السطوح العالية ، وتبقى امّي مشرقة في أعمالها ، ترتق ثوبا مثقوبا ، تنسج خيطا مبروما بمغزلها الدوّار ، تضعه في النّول العتيق و قد نطّت أصابعها بجرأة بين الخيوط البيضاء الخاوية تملؤها إلى أن تأتي على مساحتها ملئًا جميلا يبشّر بسجّاد أنيق ما غابت عن لياليه أنغام أمّي ..

إذا ما غنّت أمّي ، تراءى لي وجه الشّقاء ..و أدركت أنّ الشّدو المبذول أناقة أمّي التي تتلهّى بها عن تعب الأيام ، و خلالها تسري لأحلامها المكدودة التي ما فارقتها يوما.

أمّا انا التي عشتُ معها عمرا ، ما كنت ادري كم أن أمي جميلة ، و كم أنّ أحلامها قاسية ، إذ لا تتجاوز أن يكون البيت مرتّبا ، و أجساد أولادها مرصّعة بالصّحة والشفاء ..
أستعيد صوت أمّي إذا ما غنّت كلّما عنّفتني الحياة ، فأسعد برسالتها القائلة :
« تلهّي عن شقاء الأيام بفعل الغناء ! »
خولة عنان/تونس - من صفحة أحلام مستغانمي
    

تعليقات