ست حصص… ثمَّ البيت
عماد آل عبيدان
يدق جرس الحصة السادسة..
يجمع الطفل كتبه ويغلق حقيبته ويخرج من المدرسة وفي داخله ذلك الشعور الجميل بأن يومًا طويلًا قد انتهى.
يصل إلى البيت فيخلع حذاءه ويلقي الحقيبة على الكنبة أو جانبًا ويأكل أو يشرب شيئًا.. يلتقط أنفاسه قليلًا..
ثم تعود الحقيبة!
واجبات ومراجعة وحفظ واستعداد لما سيأتي غدًا..
وكأن جزءًا من المدرسة عاد معه إلى البيت.
ليس في هذا المشهد متهم نبحث عنه.. لا مدرسة ولا معلم ولا أسرة ولا منهج.. فالتعليم مسؤولية كبيرة.. والتطوير فيه رحلة لا تتوقف.. وما خدم أجيالًا في زمن ما يستحق دائمًا أن يُقرأ من جديد في زمن تغيّرت فيه طبيعة المعرفة والطفل والحياة.
فالطفل الذي يجلس اليوم في الفصل ليس هو الطفل الذي عرفناه قبل عقود..
والمعلومة التي كنا نبحث عنها بين الكتب والمراجع أصبحت تصل إليه في ثوان… صورة وشرح وترجمة وتجربة ومحاكاة ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليجعل الحصول على الإجابة أسرع من أي وقت مضى.
وهنا ترتفع قيمة التعليم ولا تنخفض..
لأن المعلومة حين تصبح سهلة الوصول.. يصبح الأهم عقلًا يعرف ماذا يصنع بها.
التمييز والتحقق والربط والتحليل والتجربة وتحويل المعرفة إلى مهارة.. كل ذلك يجعل التعليم أوسع من زمن يقضيه الطالب متلقيًا ثم يعيد ما تلقاه في ورقة اختبار.
والطفل نفسه لا يتعلم بأذنيه وعينيه فقط..
تجده يتعلم حين تتحرك يداه وحين يجرب وحين يفشل في تركيب شيء ثم يعيده وحين يناقش زميله وحين تتحول المسألة أمامه من سطور في كتاب إلى مشكلة يريد حلها.
ولي في البيت تجربة أراها منذ سنوات..
ابني اليوم في العاشرة وفي الصف الخامس الابتدائي ومنذ الصف الثالث وهو لا يحب أن تطول به المذاكرة.. فقط عشر دقائق وربما نصف ساعة تكفيه لمراجعة مواده.
هو لا يحب إعادة المعلومة التي فهمها.. ولا الجلوس أمام الكتاب لمجرد أن زمن المذاكرة ينبغي أن يطول.
وقد يبدو ذلك في ظاهره تمردًا على المذاكرة..
لكنني مع الوقت وجدت أن المسألة ليست في مقدار ما يجلس أمام الكتاب..
أسأله عما أخذه في المدرسة فيعيده إليّ حاضرًا.. وأجد أن عقله احتفظ بأشياء حسبت أنه مر عليها سريعًا.
والأوضح حين تضع بين يديه شيئًا عمليًا.. كهرباء أو ميكانيكا أو شيئًا يحتاج إلى تركيب وتفكيك.. هنا ترى ذهنه يتحرك بطريقة أخرى.
عين تلتقط ويد تجرب وعقل يريد أن يعرف كيف يعمل الشيء أكثر مما يريد أن يقرأ عنه طويلًا.
وهذه التجربة الصغيرة جعلتني ألتفت إلى شيء قد نغفل عنه أحيانًا.. ليس كل طفل قليل الجلوس قليل التعلّم.. وليس طول المذاكرة دليلًا على مقدار ما استقر في العقل.
بعض أبنائنا يحتاج إلى التكرار وبعضهم تكفيه المرة الواحدة وآخر يفهم بعينه وآخر لا تستقر المعلومة في رأسه حتى تمر من يده.
والعدل بينهم ليس أن نعطيهم جميعًا الساعة نفسها أمام الكتاب.. وإنما أن نعرف متى أخذ كل واحد منهم حاجته.
لهذا لا يعني تطوير التعليم أن يصبح اليوم الدراسي أخف جدية.. بل أثقل معنى.
قد تختصر عشر دقائق من التجربة ساعة من الشرح.. وقد تترك مسألة بحث عنها الطالب بنفسه أثرًا أطول من صفحة حفظها.. وقد يكون مشروع صغير أنجزه مع زملائه أقدر على تعليمه المسؤولية والعمل والفهم من أوراق كثيرة ملأ فراغاتها ثم نسيها.
حتى الواجب المنزلي لا تقاس قيمته بعدد صفحاته..
فالواجب الذي يعيد الدرس بصورة أخرى قد يستهلك وقت الطفل أكثر مما يبني معرفته بينما مهمة صغيرة تجعله يبحث أو يلاحظ أو يطبق ما تعلمه في حياته تستطيع أن تجعل البيت امتدادًا جميلًا للتعلم لا دوامًا ثانيًا بعد الدوام.
والاختبار أيضًا يبقى مهمًا.. ولكن الحياة لن تقدم لأبنائنا دائمًا أربعة اختيارات وتطلب منهم وضع دائرة حول الجواب الصحيح.
ستعطيهم مشكلات لم يروها في الكتاب.. ومعلومات متعارضة.. ومواقف تحتاج إلى قرار.. وأعمالًا لم توجد بعض أسمائها بعد.
وفي قلب هذا التحول يبقى المعلم أكبر من شاشة وأهم من منصة..
فالآلة تستطيع أن تعرض وتشرح وتلخص ولكن المعلم يستطيع أن يرى عقلًا خلف إجابة خاطئة.. وموهبة خلف حركة زائدة.. ومحاولة تستحق أن تكمل طريقها بدل أن تتوقف عند علامة حمراء.
التعليم لا يحتاج إلى خصومة بين قديم وجديد ولا إلى هدم ما نجح لنثبت أننا نتطور.
إنه يحتاج إلى تلك المساحة الذكية التي تحتفظ بما أثبت قيمته.. وتخفف ما استنفد وظيفته.. وتفتح للطفل أبوابًا أخرى للفهم والحركة والتجربة.
فالغاية ليست ساعات أقل..
ولا كتبًا أقل..
ولا واجبات أقل لمجرد التقليل.
الغاية أن يكون الهدر أقل.. والأثر أكبر.
وحين يدق جرس الحصة السادسة.. ويعود الطفل إلى بيته.. لا نريده أن يعود وقد انتهت طاقته قبل أن يبدأ بقية يومه.
نريده أن يعود وفي رأسه شيء يتحرك..
فكرة يريد تجربتها ومعلومة يريد اختبارها وفضول لم يشبعه الدرس كله.
عندها فقط لن يكون البيت الحصة السابعة..
بل المكان الذي تبدأ فيه الحياة بما تعلّمه.
https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/09/blog-post_09.html
https://www.facebook.com/share/p/1H3Ej9nezv/
https://x.com/Qatif_news/status/2097666142198215058
https://www.facebook.com/share/p/1KEua5Snkp/

تعليقات
إرسال تعليق