#خاطرة_الجمعة « هل تعلم في أي شيء تتجلى شخصية الإنسان ؟ »

 


#خاطرة_الجمعة « هل تعلم في أي شيء تتجلى شخصية الإنسان ؟ » 

 في العمل تتجلى شخصية الإنسان .. لأن العمل يتطلب أستخدام أسمى المواهب التي يتصف بها البشر، مثل العقل والإرادة والفعالية والصبر والثبات والإخلاص والشعور بالمسؤولية، والعمل أحسن وسيلة للتعبير عن جوهر الشخصية الإنسانية، وفيه تظهر عبقرية الإنسان وقدرته على الإبداع .. فالعمل الناجح يتطلب الإخلاص والإتقان اللذين هما سر النجاح وسرعة الإنجاز .

من معالم الجدّية في شخصية الإنسان استعداده وتهيؤه لما هو مقبل عليه من الأمور والمهام، يأتي هذا النمط من السلوك مقابل حالة يعاني منها كثير من الناس، وهي الاسترسال واللامبالاة، حيث يقوم البعض بعمل ما، وهو سارح الذهن، غير مركز على العمل الذي يقوم به، حتى يصبح سمة في كل أعماله ؛ فالتهاون في إنجاز الأعمال ممارسة مدانة أخلاقيًا، بينما الإنسان الجادّ لا يرضى لنفسه حالة الاسترسال بل يُقبل على كلّ عمل صغيرًا كان أو كبيرًا باهتمام وتركيز وتهيؤ واستعداد، وهذا السلوك يعتبر مؤشرًا من مؤشرات النجاح . حالة الاسترسال في إنجاز الأعمال، وعدم التركيز في أدائها، قد تسبب أخطارًا كبيرة، خاصة فيما يرتبط بقضايا الناس . إن التهاون في هذه الأمور، وعدم المبالاة، يعتبر خيانة للأمانة وهو خلاف تعاليم الدين الذي يربي الإنسان على أن يكون جادًّا في حياته وعمله، وأن ينظّم أموره بعيدًا عن الفوضى والاسترسال واللامبالاة . قال تعالى:.{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } سورة التوبة، آية: 105. وقال النبي صلى الله عليه وآله: « إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه » للأسف الشديد نجد في مجتمعاتنا من لا يهتم بجودة العمل وإتقانه في زمن تتغيّر فيه الأخلاق أو تتبدل .. التبدل الجارف في القيم الإنسانية طال كل وجوه حياتنا .

إذا مارسنا بعض التأمل سنرى أننا نعيش بمعايير تخضع للمصالح والعواطف والرغبات على حساب القيم الدينية والمبادىء السامية .. فطغت النزوات وتراجعت الفضائل الإنسانية .

يمتاز العمل المتقن بأبعاد ومعان رفيعة، فهو يؤكد إنسانية الفرد تجاه المجتمع، ويقوي الثقة ويحقق النجاح . فما من عمل نقوم بفعله إلا وله ضابط شرعي يجعلنا لا نتعداه إلى غيره، وإلا نكون قد تعدينا المباحات، ووقعنا في المحظورات . في هذا السياق نأتي إلى مصطلح ما يعرف بالحس المهني الذي يرتبط بصاحب العمل، حيث ينبغي أن يكون عمله خالصًا لوجه الله سبحانه، فيحصل له بذلك خير الدنيا والآخرة، كما نؤكد على أمانة العامل في عمله، وأنه يحرم عليه الغش فيه، مهما كان ذلك العمل، فيجب أن يؤديه على أكمل وجه، وإذا استشعر العامل مراقبة الله له في عمله، فإنه يستغني بذلك عن مراقبة البشر والمسؤولين في جهة العمل، إذ تتوفر فيه درجة الإحسان، وهي من أعلى درجات الإيمان، وكما عرّفها المصطفى صلى الله عليه وآله: « أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » وهو يرى أن العمل الذي يؤديه، عظم هذا العمل أو صغر، ما هو إلا نعمة أنعم الله بها على العبد، ينبغي له المحافظة عليه، وأداؤه على أكمل وجه، لأن الإخلاص في العمل سبب لدوامه، وعكس ذلك يبيد النعم ويزيلها !!

وهذه نماذج حية من المهن لنتأملها ونتعرف على ايجابياتها وسلبياتها من جهة دينية وأخلاقية واجتماعية وإنسانية:

-- عالم الدين : لا بد أن يكون عالمًا عدلًا، عارفًا بحال أفراد مجتمعه وقريبًا منهم، ويعالج قضاياهم التي تلامس واقعهم .. يتحدث مع الناس، ويلعب دورًا حيويًا في توثيق الصلات بين الأفراد، ويحثهم على أداء الواجبات الشرعية العبادية، ويحذرهم من الذنوب والمعاصي .. عالم الدين لا بد أن يجمع بين رصانة العلم وسعة المعرفة والتواضع، ولا يؤتى ثماره الناضجة إلا مع الأخلاق .. عالم الدبن في مجتمعنا يستقي علمه من مدرسة آل البيت عليهم السلام . 

-- ومهنة الطب لها أخلاقياتها الخاصة بها، فإذا كان الطبيب جادًّا في عمله مهتمًّا بمرضاه، تجده يستقبل المريض ويتعرف على حالته، ليكون واثقًا من تشخيصه، ويتثبت من سير علاجه، إن مهنة الطب في هذا العصر - للأسف الشديد - قائمة على الفكر المادي، حيث يتعامل الطبيب مع مرضاه على أنهم زبائن، أو.قد يكون طبيبًا غير مبالِ بعمله وبمرضاه، منشغلًا بأموره الشخصية، بينما الطبيب الناصح يحاول بذل النصح للمريض والرفق به، وأن يكون متقنًا لمهنته غاية الإتقان التي هي سر نجاحه، مدركًا تمامًا لقيمة العمل الجاد، فصحة الإنسان فوق كل اعتبار !!

-- والمدرس النشط في عمله الذي لا يدع فرصة لإفادة تلاميذه جسميًا وعقليًا ونفسيًا ووجدانيًا واجتماعيًا إلا وانتهزها اقتناصًا، يستطيع بكل بساطة أن يشد تلاميذه إليه دائمًا وفي كل وقت، بخيوط متينة من الحب والوفاء والولاء .. وعليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للطلاب .. ومساعدة الأطفال على تنمية مهارات التفكير لديهم، وبالتالي ينمي ثقتهم بانفسهم .

--،ومما يتعلق بالكاتب: مهنة الكاتب مرتبطة بفكره وعقيدته، وبالتالي تقع على عاتقه مسؤولية وأمانة في كتاباته وأفكاره وإبداعه التي لها تأثير كبير على حياة الناس، فعلى الكاتب ألا يكتب شيئًا من المقالات أو الكتب المضلة، أو التي لا نفع فيها . وهو بحاجة إلى ميزان حساس جدًا والكثير من الحكمة والتروّي .

والخطيب الذي سيلقي خطبة أو كلمة على الجمهور، لا يَصحّ أبدًا أن يلقي على جمهور أصبح واعيًا مثقفًا، دون أن يحضّر تحضيرًا جيدًا للكلمة التي سيلقيها، وأن يكون واضحًا لديه ما هي الأمور التي يناسب أن يطرحها ليفيدهم بها .

هذه نماذج مختصرة لبعض المهن التي تلامس مجتمعاتنا .. ونحن في الواقع نفتخر بمثل هؤلاء العاملين في هذه المهن الإنسانية المرتبطة بقضايا الناس كالعالم والخطيب والطبيب والمهندس والمحامي والمدرس والكاتب والموظف .. الذين يشتغلون كالنحلة الدائبة في عملها، يعجبني ذلك الشاب المخلص الذي سخر وقته في خدمة دينه ووطنه ومجتمعه .. نعم هذا هو الدرس المهم الذي تقدمه لنا هذه الخاطرة، فكل شخص يؤدي عمل مرتبط بقضايا عباد الله ومصالحهم، يجب أن يتحمل مسؤوليته تجاه حقوقهم، لأنها أهم وأقدس قضية تستحق الاهتمام والكفاح، فحقوق الإنسان هي مقومات إنسانية، وانتهاكها أو التقصير في أدائها يعني الانتقاص من إنسانية الإنسان والنيل من كرامته التي منّها الله تعالى له .

وأخيرًا، أن الإنسان العصري منشغل بتحقيق متعته الشخصية، ويدور في دائرة ضيقة للغاية، خارج أية منظومات قيمية اجتماعية أو أخلاقية، لذا فإن ولاءاته للعمل تتآكل تدريجيًا بدرجة ضعيف للغاية، إن لم يكن منعدمًا . نسأل الله أن يأخذ بأيدينا نحو جادة الخير والسؤدد وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

-- نبكي ونذرف الدمع السخين على أهلنا وأحبتنا وأبناء مجتمعنا كانوا بيننا وأمام أعيننا وفجأة وفي غمضة عين غادرونا، اللهم أرحمهم وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار .

 طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد . 

________

-- إرادة الإنسان هي المحرك لقوة العمل، وقد سمعنا قول الإمام الصادق عليه السلام: « ما ضعف بدن عما قويت عليه النية» امالي الصدوق ص.١٩٨ . ولتقوية الإرادة هناك شروطًا يدرجونها العلماء في ضمن نصائح : عين هدفك الأول قبل أن تبدأ بالعمل - لا تضع وقتك في إيجاد أعمال قليلة النفع، أو ما تكون نتيجة ذهاب الوقت - ثق بأنك قادر على الوصول إلى ما تريد، فإن الثقة بالنفس تخفف عنك جهد العمل وتقطع لك نصف المسافة - عاود العمل بنشاط أكثر إذا أخفقت في عملك فإن الصعب يسهل والعقدة تحل - اجعل نصيبًا من منهاجك اليومي للعمل فإن النفس يجهدها العمل المتواصل - وأخيرًا ، ثابر على العمل واتقنه وإن كان شاقًا فإن الفوز نتيجة المثابرة والإتقان . هكذا تنمو الإرادة وتسمو، والرجل العظيم وليد إرادته وأعماله .

محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .

تعليقات