شيل نتفة الخبز..ترى النعمة زوّالة.

 


شيل نتفة الخبز..ترى النعمة زوّالة.

الباحث الاستاذ اسماعيل ال هجلس

كانت جداتنا و أمهاتنا ( رحمة الله عليهن جميعاً  ) يقولن لنا ونحن صغار!

«شيل الخبز ، النعمة زوّالة ياولدي ».

لم تكن الجملة تحتاج إلى شرح طويل، ولم نكن نسأل عن معناها أو أصلها ، كنا نعرف أن للخبز مكانة مختلفة في حياتنا ، فإذا سقطت كسرة منه على السفرة أو على الأرض، أسرعنا إلى رفعها، وربما أكلناها أو قبلناها ثم وضعناها في مكان مرتفع، يمكن لطير أن يأكلها، أو إنسان أن ينتفع بها.

وكنا نسمع كلمات كثيرة: نتفة خبز، كسرة خبز، قطعة خبز ، حواف القرص، وكلها كانت تعني شيئاً واحداً: هذه نعمة،لا تتركها مرمية على الأرض.

ولم يكن هذا الأمر مقتصراً على الخبز وحده، فالتمر أيضاً كان له مكانه في هذا الاحترام ، فإذا تساقطت تمرة من النخلة، أو وجدنا تمرة في الطريق أو مرورنا على الدوالي ، لم نتركها على الأرض، بل نرفعها ونحفظها وغالباً نمشها وناكلها ، فهي أيضاً نعمة من نعم الله، جاءت من نخلة تعب فيها المزارع، وسقاها الماء، وانتظر موسمها.

واليوم، بعد أكثر من خمسة وخمسين عاماً، أعود إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي عشناها دون أن نعرف أنها تحمل وراءها ثقافة كاملة من احترام الطعام وحفظ النعمة.


من أين جاء الخبز؟

الخبز ليس مجرد طعام اعتدنا وجوده على سفرتنا ، وراءه حكاية طويلة تبدأ من الأرض ، من الرز و الحنطة والشعير، ومن الحبة التي تُزرع في الأرض، ثم تُحصد، وتُطحن حتى تصبح طحيناً، ثم تتحول بالماء والنار واليد البشرية إلى خبز يصل إلى السفرة ، ولعل ارتباط الإنسان بالخبز قديم قدم الزراعة نفسها ، فالقمح والشعير والرز ،  من أقدم المحاصيل التي اعتمد عليها الإنسان في غذائه، ومنهما نشأت أنواع كثيرة من المخبوزات والأطعمة التي رافقت الحضارات القديمة ، ولذلك لم يكن غريباً أن يصبح الخبز في ثقافات كثيرة رمزاً للمعيشة والرزق والحياة.

كلمة «العيش» التي كنا نسمعها في بعض البيئات بمعنى الرز، أو نسمعها عند المصريين بمعنى الخبز، تحمل دلالة جميلة ، فالعيش من المعيشة، وكأن الإنسان سمّىَ  الطعام الذي تقوم عليه حياته باسم الحياة نفسها.

لماذا كنا نشيل نتفت الخبز من على الأرض؟

هذا السؤال هو الذي أعادني إلى طفولتي ، لماذا كنا نرفع الخبز تحديداً؟ ولماذا كانت أمهاتنا شديدات الحرص عليه؟

في طفولتنا لم يكن عندنا تحليل منطقي أو تاريخي لهذا السلوك !!!

ببساطة كنا نفعله لأن أمهاتنا فعلن ذلك، ولأنهن علمونا أن ترك الخبز على الأرض أمر مزعج و مو زين ومو عدل ! و لا يليق بالنعمة ، كنا إذا رأينا كسرة خبز في الصاباط أو الزرنوق أو البراحة أو الطريق، نشيلها ونقبلها، ثم نضعها في مكان مرتفع عن الأرض ( حافة دريشة ، نهاية طوف )، لعل طيراً يأكلها، أو يأتي إنسان فيستفيد منها ، وكانت تلك الحركة الصغيرة تحمل في داخلها معنى كبيراً:

أكرام النعمة .

ولم يكن الأمر مرتبطاً بما تبقى من الخبز على السفرة فقط، بل حتى أثناء تناولنا  «التاوة»، كنا نحرص على ألا تسقط نتفهُ على الأرض، وربما وضعنا ما يتفتت منه داخل (الحضن) من ثيابنا حتى لا يتنثر ( يتنفر) .

وعندما كنا نذهب إلى الخباز ـ رحمهم الله جميعاً ـ كنا أثناء استلام الخبز نتسلى بأكل بعض الكسرات اليابسة المتبقية من الخبز السابق، والتي كانت تعلو الخيش أو أكياس الطحين ، حتى تلك الكسرات الصغيرة لم تكن في نظرنا شيئاً مهملاً ، كانت طعاماً .

هل للخبز خصوصية عن بقية الطعام؟

هنا بدأت أسأل وأبحث ، وجدت أن احترام الخبز ليس مجرد عادة محلية في منطقتنا بشكل عام، بل هو سلوك عرفته مناطق وثقافات متعددة، وخصوصاً في المجتمعات التي ارتبط غذاؤها بالحبوب والزراعة ، كما أن للخبز حضوراً واضحاً في التراث الإسلامي، ووردت روايات وآثار في شأن احترام الخبز وعدم امتهانه، وهو ما جعل كثيراً من المسلمين ينظرون إليه باعتباره طعاماً له حرمة ومكانة خاصة.

ومن خلال السؤال لبعض أهل الاختصاص والباحثين ورجال الدين والأصدقاء من مناطق مختلفة كواحة الأحساء والبحرين، وجدت أن هذا السلوك الذي تربينا عليه لم يكن بالضرورة عادة اجتماعية بلا أصل، بل يتقاطع مع منظومة أوسع من شكر النعمة وصيانتها وعدم إهانتها.

وهنا علينا أن نفرق بين أمرين:

التقديس بمعناه العقدي، وبين الاحترام والتوقير باعتباره نعمة من نعم الله ،وهو طعام ارتبط في وجدان الناس بالرزق والنعمة والمعيشة، ولذلك نشأ حوله قدر كبير من الاحترام.


والخبز في واحة القطيف.

ما لفتني أكثر أن هذه العادة كانت واضحة في منطقتنا ، كما وجدتها في مناطق خليجية أخرى ، وربما يعود ذلك إلى طبيعة المجتمع الزراعي القديم، حيث كان الإنسان أكثر قرباً من الأرض، وأكثر إدراكاً لقيمة ما تنتجه ، كان يعرف الحبة قبل أن تصبح طحيناً، ويعرف الطحين قبل أن يصبح عجيناً، ويعرف العجين قبل أن يصبح خبزاً ، كان يرى تعب الأرض والمزارع والطحن والخباز في قطعة الخبز.

وكذلك كان يعرف قيمة النخلة والتمرة ، فالنخلة لم تكن مجرد شجرة، بل جزءً من الحياة اليومية، ومنها الغذاء والظل والعمل والرزق ، ولذلك كانت التمرة التي تسقط من النخلة أو توجد في الطريق الزراعي تُعامل باعتبارها نعمة، لا شيئاً يُداس أو يُترك بلا مبالاة.

أما نحن اليوم، فقد يصلنا الخبز معبأ  في كيس جاهز، فلا نرى كل تلك الرحلة الطويلة التي مرت بها الحبة حتى وصلت إلى أيدينا ، ولهذا ربما أصبح فقدان الخبز أسهل علينا.

بين الحضارات القديمة وذاكرة الناس.

أثناء البحث، وجدت أن احترام الخبز له جذور قديمة في حضارات مختلفة، ومنها الحضارات التي قامت على الزراعة والحبوب، كالفرعونية والبابلية وغيرها، وارتبط الخبز فيها بالمعيشة والرزق والقرابين والموت والحياة ، لكنني، في حدود ما بحث وتتبعت في واحة القطيف، لم أجد دليلاً تاريخياً واضحاً يثبت أن عادة تقبيل الخبز ورفعه من الأرض عند أهل المنطقة جاءت مباشرة من تلك الحضارات القديمة ، والأقرب ـ في رأيي ـ أن هذه الممارسة عندنا ترسخت ضمن الثقافة الإسلامية وما حملته من معاني شكر النعمة واحترام الطعام وعدم إهانته، ثم انتقلت من جيل إلى جيل حتى أصبحت جزءً  من السلوك اليومي ، ولذلك قد يكون من الخطأ أن نبحث دائماً عن أصل قديم لكل عادة جميلة ، فبعض العادات تولد من قيمة دينية أو أخلاقية، ثم تتحول مع الزمن إلى سلوك اجتماعي، حتى ينسى الناس أصلها ويبقى أثرها.

«النعمة زوّالة»

هذه العبارة التي كانت أمهاتنا يكررنها ليست مجرد تخويف لنا !  كانت درساً مختصراً في الاقتصاد وشكر النعمة ،

«النعمة زوّالة» تعني: لا تضمن بقاء ما في يدك ،

فاحفظه، واشكره، ولا تهنه ، وهذا المعنى لا يخص الخبز وحده ، لكن الخبز كان أكثر ما يظهر فيه هذا السلوك، لأنه أكثر ما يتفتت ويسقط، ولأنه كان طعاماً أساسياً في حياة الناس ، ولعل تقبيل كسرة الخبز قبل رفعها كان تعبيراً شعبياً بسيطاً عن هذا الشعور: هذه نعمة، وأنا أعرف قيمتها.

حفظ النعمة ليس جمع الخبز فقط.

اليوم لدينا وفرة أكبر، ومطابخ أكبر، وأطعمة أكثر، وخيارات لا تنتهي ، لكن المفارقة أننا في الوقت نفسه أصبحنا أكثر قدرة على هدر الطعام ، لذلك فإن حفظ النعمة اليوم يحتاج إلى أن ينتقل من مجرد رفع كسرة الخبز من الأرض إلى منظومة كاملة من السلوك ، أن نأخذ حاجتنا فقط ، أن لا نملأ الصحون بما لا نستطيع أكله ، أن نحفظ ما تبقى بطريقة صحيحة ، أن نعيد استخدام الطعام متى أمكن ، وأن نفصل بقايا المخبوزات والطعام بطريقة تسمح بإعادة الاستفادة منها.

بقايا الخبز لها حياة أخرى.

ولعل حفظ الخبز لا يعني فقط أن نرفعه عن الأرض أو نحفظه من الرمي، بل أن نبحث عن طريقة للاستفادة منه ؟ حتى بعد أن يجف أو تبقى منه قطع صغيرة ، فبقايا الخبز يمكن أن تتحول إلى أشياء أخرى نافعة ، يمكن تجفيفها وطحنها لتصبح «بقسماط» نستخدمه في تغليف البروستد وبعض المقليات، مثل الروبيان وغيرها ، ويمكن أيضاً تقطيعه وتحميصه ليصبح إضافة جميلة لبعض أنواع السلطات، كما في الخبز المحمص الذي يدخل في إعداد الفتوش، أو يستخدم مع أطباق أخرى مثل الثريد ، وهكذا لا تكون قطعة الخبز التي بقيت من وجبتنا مجرد «بقايا»، بل مادة غذائية يمكن أن تبدأ بها وجبة أخرى.

أما ما يتبقى ولا نجد له استخداماً مناسباً في المنزل، فيمكن جمعه بطريقة نظيفة وإرساله إلى صناديق ومبادرات حفظ النعمة المخصصة للخبز والمخبوزات، بدلاً من أن ينتهي به الأمر في ( لدرام )؟سلة النفايات ، وهنا يتحول مفهوم حفظ النعمة من مجرد شعور داخلي إلى سلوك عملي:

نأكل حاجتنا،

ونحفظ ما تبقى،

ونعيد استخدام ما يمكن استخدامه،

ونرسل الفائض إلى من يستطيع الاستفادة منه ، فالنعمة لا تُحفظ بالكلام وحده، وإنما بحسن التعامل معها بعد أن تصل إلى أيدينا.

نحن قدوة قبل أن نكون معلّمين.

ربما أهم ما في هذه الحكاية أن الطفل لا يتعلم حفظ النعمة من الكلام فقط ، يتعلمه من المشاهدة ، إذا رأى أباه يرفع كسرة الخبز من الأرض، سيفعل ، وإذا رأى أمه تحفظ ما تبقى من الطعام، سيتعلم ، وإذا رأى الأسرة تضع الخبز في مكان مناسب بدلاً من رميه، سيعرف أن لهذا الطعام قيمة ، نحن لا نحتاج دائماً إلى محاضرة طويلة عن شكر النعمة ، أحياناً تكفي حركة صغيرة ، أن تنحني وترفع كسرة خبز من الأرض أمام ابنك.

ثم تقول له:

«هذه نعمة».

وهكذا تنتقل الثقافة ، من يد الأم إلى يد الطفل، ومن سلوك الأب إلى سلوك الابن، ومن جيل إلى جيل.

ما بين «نتفة» و«رغيف».

حين أتذكر اليوم تلك التفاصيل الصغيرة، أجد أن أمهاتنا كن يحملن في ذاكرتنا أشياء أكبر مما كنا نتصور ، علمونا أن للطعام حرمة ، وأن للأرض حقاً ، وأن ما يسقط من النعمة لا ينبغي أن يبقى على التراب ، وعلمونا ، دون دروس أو كتب، أن الشكر ليس كلمة نقولها فقط، بل سلوك نمارسه ، ربما لم نكن نفهم لماذا نقبّل كسرة الخبز ، ولم نكن نعرف تاريخ الحنطة والشعير، ولا رحلة القمح حتى تصل إلينا  ، لكننا كنا نعرف شيئاً واحداً:

لا تترك الخبز على الأرض.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، أفهم شيئاً من كلام أمهاتنا ، لم يكن الأمر متعلقاً بـ«نتفة خبز» فقط ، كان درساً في حفظ النعمة.

ولعل أجمل ما نستطيع فعله اليوم أن نعيد هذا السلوك إلى بيوتنا، لا باعتباره عادة قديمة فحسب، بل باعتباره قيمة نحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى ، فأطفالنا يتعلمون منا ، وما نفعله أمامهم اليوم، قد يصبح غداً عادةً جميلة في بيوتهم ، رحم الله أمهاتنا وآباءنا، فقد تركوا لنا من الحكمة ما لم نكن نعرف قيمته إلا بعد أن كبرنا ، وكلما رأيت قطعة خبز على السفرة أو الأرض، أو بجانب لدرام الكبير ، تذكرت صوت أمي:

«شيل نتفة الخبز ، النعمة زوّالة ياولدي».

https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/08/blog-post_24.html

https://www.facebook.com/share/p/1Dz3h9jrNr/

https://www.facebook.com/share/p/1HXHCKLDHU/


https://x.com/Qatif_news/status/2091882760881213636

https://www.facebook.com/share/p/1CCiNRWwGi/


تعليقات