#خاطرة_الجمعة « هل الإصلاح يراد به كشف العيوب أم إبراز المحاسن ؟! »
« اذكر حسنات الناس وتشجيعهم على أعمال الخير » تلك قاعدة من قواعد الإصلاح، وهي من أنجح الطرق وأنفعها وأقربها لتحقيق ذلك . غير أن أغلب الناس يتصرفون بالمقلوب تمامًا .. فهم يلجأون إلى تذكير الأطراف المخطئة بسلبياتها وأخطائها طنًا منهم أن هذا التذكير سيساهم في إزالة السلبيات وتصحيح الأخطاء . ولا شك في أن هذا الاسلوب خاطىء وسواء كان مع الناس أو الأصدقاء، والاسلوب الصحيح هو ذكر الحسنات والتشجيع عليها، وفقًا لمبدأ إزالة السيئات بالحسنات وطرد الفساد بالإصلاح . يقول الإمام علي عليه السلام: «لكل مسلم على من أثنى عليه مثوبةً من جزاء وعارفة من عطاء» . والثناء هو المدح الإيجابي، وذكر الحسنات، والتشجيع عليها، مما يعود على المثني بالجزاء والعطاء .. والجزاء من عند الله وهو ثابت، والعطاء من عند الناس وهو متغير، فإذا لم يتحقق العطاء الدنيوي فلا شك أن يتحقق الجزاء الإخروي من عند الله تبارك وتعالى . وعليه فإن الإحسان خصلة تستحق المدح والثناء والتقدير، وواجبنا هو المدح لأقل إجادة بدل النقد لأي خطأ، الأمر الذي يحث الطرف الآخر على مواصلة الإجادة ومحاولة تكرارها . ونحن عن طريق الثناء والتشجيع نستطيع أن ندفع الطاقات الشبابية إلى أن تفعل ما نريد . إن التشجيع هو الطريقة المثلى القادرة على أن تكشف لكل إنسان مواهبة، ومن يريد إصلاح الناس لا بد أن يتعلم كيف يشجعهم على إدراك كفاءاتهم واكتشاف المخزون الضخم الذي أودعه الله فيهم من الطاقات والقدرات .
فلو أردت أن تدفع إنسانًا إلى الخطابة، أخبره بأن له موهبة عظيمة في الخطابة، وبلا ريب سيدفعه ذلك إلى التمرين والتدريب حتى يجيدها تمامًا . فكل خطيب تتاح له فرصة القراءة وبعدها يقال له : « أحسنت وبارك الله فيك » كافية لتنمية طاقاته ورفع هممه . وكتجربة شخصية، حول ما يتعلق بالكتابة التي ألفتها من صغري، وكانت لدي تلك الملكات التي ساعدتني في ساحات العمل الوظيفي، وبعد التقاعد التقيت بمن كنت أحترمه من زملاء الدراسة الكرام وطلب مني أن أكتب في المجالات الصحية والتغذوية والإجتماعية، وحينها لم أكن أعرف ما تعنيه كلمة المجالات الإجتماعية، فاوضح لي من خلال إعجابه ببعض المشاركات في قنوات التواصل الاجتماعي، واعطاني ثقته بقدرتي على العطاء، ولا أخفي بانني ما زلت مدينًا لذلك الزميل المؤمن، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يشافيه الشفاء العاجل بمحمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين .
فإذا كان للتشجيع هذا المفعول السحري في الناس، فلماذا لا نستفيد منه من أجل الإصلاح . إن التشجيع وسيلة سهلة، لا تشترى من المكاتب أو المحلات التجارية، بل هي بين يديك إن شئت امتلكتها وإن شئت خسرتها . هكذا هو التشجيع، وهذه هي آثاره .. وعكسه تمامًا التقريع والتثبيط فهما لا يمنعان الإنسان من التحسن والاجادة فحسب، بل يدفعانه نحو الضرر والهلاك ..
أحس بالحزن الشديد حينما أرى صنف من الناس في مجتمعنا شغلهم الشاغل قتل بوادر الخير . ترى .. لو كنت معلم أطفال، ماذا كنت تفعل معهم ؟ لا بد أن تكون مربيًا لهم .. والمربي لا ينتقد أساسًا ، بل يصلح، ولا يلوم، بل يشجع، وكثيرًا ما يسبب النقد الجارح بروز حالة من اللاإنسجام بين الطرفين بشكل دائم .
من العوامل التي تحيل بين الفرد وبين تقدمه في ميادين العلوم والإبداع هو عدم التشجيع للكفاءات الشابة والمصلحين، فكل فرد في المجتمع يحمل بين حناياه طاقة، يمكن لهذه الطاقة أن تتقدم وتنمو، فتغذق للمجتمع ثمار طيبة، ويمكن لهذه الطاقة أن تذبل وتموت فلا يبدو منها الخير، وسماد نموها التشجيع، وسموم فتكها التثبيط !! من هنا تأتي أهمية التشجيع للطاقات الشبابية، وكل طاقات الإصلاح التي تصب في خدمة المجتمع، فالطالب يحتاج إلى زرع الثقة في نفسه وتشجيعه ليكون أكثر ثقة واطمئنان .. واللاعب حين يظهر بسالته الرياضية ويحقق بعض التقدم، فإنه يتوقع من الجمهور تشجيعه، وإذا أحس بوجود أحد يدعمه ويقف معه، فإنه سيطير نحو التقدم والانطلاق .. والكاتب حينما يكتب مقالًا، فإنه يتوقع من القراء كلمة ثناء ولو مجاملة، لأنه حين يرى أو يسمع كلمة الثناء، سيحاول أن يكتب مرة أخرى بشكل أفضل .. والخطيب حين يلقي مجلسًا فتتلقفه الألسن بالثناء، فإن هذا الخطيب سيشق طريقه نحو النجاح .. أما إذا لم يجدوا جوًا مناسبًا يحمسهم، فإنه سرعان ما يصيبهم الفشل والإحباط والتراجع . لنأخذ التعليم مثلًا - ذلك القطاع الذي يُعدّ ثروتنا البشرية - وما تحقق فيه من إنجازات علمية وعلى مستوى العالم، تلك المواهب الطلابية الوطنية، شاهدناها في الآونة الأخيرة على منصات الشرف والتكريم .. هؤلاء المواهب حصدوا أعلى الألقاب في مختلف الميادين العلمية وصعدوا إلى قمة الإبداع، وهنا نسأل: هل يجد الطالب الموهوب من التشجيع والتحفيز المستمر دافعًا لمزيد من التفوق والإبداع ؟! نعم .. الكل يدرك أثر التشجيع .. رأيناها في قاعات الاحتفالات المحلية والدولية، آلاف الأكف تصفق للموهبة، ومئات الأفواه تهتف له بالتشجيع، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الطبيب والمهندس والمعلم والمؤلف والخطيب وغيرهم، فإذا وجدوا تشجيعًا كافيًا فإنهم يواصلون دربهم بمزيد من الطاقة والفاعلية . من هنا تأتي ضرورة دفع الطاقات والكفاءات الشبابية بالتشجيع ليكونوا سنابل.خير لبلدنا المعطاء .
والخلاصة: إن انتقاد المخطىء اسلوب غير صحيح، ومنفر للطرف الآخر مما يجعله في حالة من عدم التجاوب واللامبالاة، وإن الأسلوب الأمثل هو تشجيعه على الصلاح والاكتفاء بانتقاد الخطأ وحده دون أن يمس بكرامة المخطىء ويجرح شخصيته . إن التشجيع مثل إشعال الشمعة لطرد الظلام بشكل طبيعي، بينما الانتقاد مثل لعن الظلام فلو استمر مليون عام فلن يغيّر شيئًا .
-- لا ينقصنا الآن سوى مضاعفة الشكر لله تعالى لما منّ به علينا سبحانه من نعمه الظاهرة والباطنة أولها رضا الوالدين - رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين ورفع قدرهم - وآخرها القناعة بما آتانا الله، ونبتهل إليه تعالى أن يمنحنا مزيدًا من العمر لنستثمر فيها بالعمل والكسب الحلال والطاعات والتحصيل المعرفي والسعي لخير الناس واسعادهم .
~ مأجورين ومثابين ~
_________
-- بحمد الله مجتمعنا غالبًا لا يخلو من عباد الله المخلصين أصحاب أيادي بيضاء يساعدون الناس على قضاء حاجاتهم، ويقدمون كل ما لديهم في سبيل خدمة مجتمعاتهم، لكن هؤلاء عادة قلة قليلة، وفي الوقت الذي تقل فيه هذه الشريحة المخلصة، نجد أناس من يحاول النقد والتجريح ، لتثبيط اي عمل يصب في خدمة المجتمع، ولعل أحسن مثل شعبي متداول على هذا القول: « لا خيره ولا كفاية شره » .
محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .
https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/08/blog-post_13.html

تعليقات
إرسال تعليق