من تُراث القطيف | سيحة البحاري | «حَمّام أبو لَوزَة»
بين أيدينا حكايةٌ من رَحِم التاريخ، ومَعلمٌ شاهدٌ على عراقة منطِقتِنا المحروسة؛ إنه ذاك الصرحُ المبني على الطراز التركي، والذي نَحَتت سواعدُ الأجداد في جدرانه قصةً تعودُ لأكثر من ألفِ عام حسب التقارير الأركيولوجية، وإن تداعت بعض أركانه، فقد بَعثوا فيه الحياةَ من جديدٍ قبل ستمائةِ عامٍ خلت، ليظلّ شاهداً على هندسةٍ فريدة.
وكما أشار الأستاذ محمد رضا نصر الله في مقاله «ذاكرة حيّة» بمجلة اليمامة:[أوّل ما سمعتُ بحمد الجاسر من والدي وأنا ما زلتُ في غِرارةِ الصِّبا، حيث فاجأ الشيخُ والدي - وهو يستحمّ في حمّام "أبو لوزة" الشهير بقُبَته التي بناها جدّه لأبيه مهدي بن نصر الله، بناءً على نصيحة طبيب تُركي - بوصف مياههِ المتدفّقة الدافئة بأنها مياهٌ معدنيّة].
لقد صِيغَ هذا المَعلم من لُبّ البحر؛ حيث استُخدمت الفُروش (الأحجار البحرية) والجِصّ في بناءٍ متقنٍ تَسامى فيه قُبّةٌ وسقفان مستديران، دون حاجةٍ إلى جدوع النخل والچندل والباسچيل والجريد والمربعات، وهي الطريقة المعتادة في بناء أسقف البيوت آنذاك؛ بل اعتمد على تناسق الحجارة في بناءٍ جصيٍّ متماسكٍ حُفِظَ برونقه عبر الأزمان.
ويتكون هذا المَعلَم من ثلاثةِ أسقف جصية، يروي كلٌّ منها فصلاً من حياة الناس:
- السقف الأول
(قُبّة العين): وهي القلبُ النابض؛ إذ تعلو عينَ الماء، وقد زُيّنت بستّ كواتٍ جعلت منها مِشكاةً للضياء ومتنفساً للأبخرة المتصاعدة من دفءِ المياه، حيث تستند القبة على «محاريب هندسية» وُزعت ببراعةٍ حول قاعدتها لتوزيع ثقل البناء ونقله بانسيابيةٍ إلى الجدران؛ وهو السر الإنشائي الذي منح هذا الصرح صموده لقرونٍ طويلة.
- السقف الثاني
(القبو الأسطواني أو البرميلي): يعلو الممرَّ وبه خمس كواتٍ للإضاءة والتهوية، الذي يقتادُ الزائرَ إلى قلبِ الحَمّام، حيثُ الدِّكَكُ المصطفّةُ على الجوانب لاستراحة الناس وانتظار دورهم وقت الإزدحام، وفيها يُقدّمُ الشاي والقهوة، ويُمارسُ المَراخ (التدليك)، وعلى جدرانِ هذا الممر، تبرزُ «الرَّوازِن»؛ وهي كواتٌ غائرةٌ استُخدمت خزائنَ لحفظِ أماناتِ الزائرين وثيابهم أثناء سباحتهم.
- السقف الثالث
(القبو الأسطواني أو البرميلي): يعلو بركةً منعزلةً إلى الشمال، مفصولةً بجدارٍ عن العين؛ وهي مخصصةٌ للنساء، ينسابُ إليها الماءُ عبر ممرٍّ يخترقُ الجدار، وتتوجّها خمسُ كواتٍ تمنحها سِتراً وتهويةً وهدوءاً.
«حمام أبو لوزة» شاهداً حيّاً على عبقرية العمارة القطيفية، وواحةً تلتقي فيها عراقة الماضي بتطلعات المستقبل، ورسالةً من الأجداد تُبقي دفء التاريخ حيّاً في قلوب الأجيال.
ملاحظة: هذا هو نموذج تصميم الحمّام كما كان عليه قبل أعمال الترميم.

تعليقات
إرسال تعليق