#خاطرة_الجمعة « أستخدم دماغك وإلا فقدته !! »
إذا كنت قد تجاوزت الخمسين من العمر أو حتى الستين، ووجدت صعوبة في استرجاع ذاكرتك .. أو كنت تنسى ما ذهبت لأجله وانت لم تفارق باب دارك بعد .. فأنت عرضة أكثر من غيرك للإصابة بالأمراض المصاحبة للشيخوخة .
هناك الكثير من الأشخاص الذين كانوا يتمتعون بعقل طبيعي من الناحية التكوينية، لكنهم يعانون من قصور في الفكر عند الكبر .. ما سبب ذلك ؟ مع التقدم في العمر تضعف عند الإنسان ذاكرته مما قد يقوده إلى حالات متقدمة من قلة التركيز وكثرة النسيان وضياع الذاكرة .
خرف الشيخوخة مرض يصيب الجهاز العصبي، ويتسم بالتدرج والسلوك الانتكاسي، ينشأ من اضطراب في الدماغ يضعف فعالية الروابط بين خلايا الدماغ ويؤدي إلى تلفها، أما الأعراض المبكرة للمرض فتشمل فقدان الذاكرة، وصعوبة تذكر الأماكن المعروفة سابقًا، وتدريجيًا يفقد الأشخاص القدرة على النطق، وفي بعض الأحيان لا يستطيعون التعرف على الأشياء المألوفة أو حتى على أفراد الأسرة، أما في المراحل المتقدمة من المرض، فهم يفقدون التنسيق الحركي، وقد لا يتذكرون أنفسهم أو العالم من حولهم، وينتهي الأمر بهم إلى العجز والنسيان ..
وخرف الشيخوخة مرض الشفاء منه غير متوقع، كما هو الحال بالنسبة لبعض الأمراض الشائعة، ولكن هناك محاولات علاجية لتحسين مستوى حياة المصاب والاهتمام بسلامته وتسهيل العناية به .
يعتقد الكثير من الناس أن هناك عاملان مهمان في الإصابة بالمرض هما: التقدم في العمر، والتاريخ العائلي، فالشخص الذي سبق أن أصيب أحد والديه بالمرض يكون عرضة أكثر من غيره للإصابة به، ولكن لا يوجد دليل واضح على أن المرض ينتقل وراثيًا .
من هذا المنطلق ومن المفهوم القائل: « أستخدم دماغك وإلا فقدته » ندرك أن خرف الشيخوخة ليس مرضًا يماثل الأمراض التي يمكن التعامل معها بالعلاجات الدوائية، وإنما هو سلوك يمكن تفاديه بالمواظبة على مزاولة بعض الأنشطة الحياتية، فقد توصلت الأبحاث الحديثة إلى أن الأشخاص الذين يقرؤون يوميًا، ولديهم مكتبة خاصة، ودومًا يمارسون الأنشطة الفكرية، وأيضًا البدنية، ويشاركون أفراد المجتمع في حلّ بعض الأزمات والقضايا الإجتماعية على ضوء المنطق والتجربة، وقبل كل ذلك الوصفة الروحية - بإقامة الفرائض، وسائر العبادات بحضور القلب - التي تعمل عملها في الروح والعقل . هؤلاء الناس هم أقل عرضة للإصابة بهذا المرض عند تقدمهم بالعمر .
الكثير من الأصحاء عند تقدمهم بالسن قد يصعب عليهم تذكر بعض المعلومات، فقد ينسى أسم جاره القريب، لكنه يعرف أن ذلك الشخص هو جاره، يعني نسيان لا يتعدى الحدود، يستطيع عادة تذكر التفاصيل المتعلقة بالأشياء التي نساها في وقت لاحق، أما المصابون بمرض خرف الشيخوخة فإنهم لا ينسون التفاصيل فحسب، بل ينسون كل شيء ، وربما يواجهون صعوبات في التواصل مع الآخرين، وفي عمليات التعلم والتفكير والاستنتاج، الأمر الذي قد يؤثر على حياتهم العملية والعائلية والإجتماعية .
في هذا العصر الحالي، عصر التكنولوجيا المتسارعة، وفي مثل هذه الثقافة الرائجة التي نعيشها، لاحظنا تراجع في درجة الذكاء الفطري، لقد أثبتت التجارب أن الاستعمال المفرط للأجهزة الذكية سببت خفض المعارف نتيجة عدم التركيز والذي يتبعها كثرة النسيان وفقدان الذاكرة التي كانت مليئة بالأرقام والمعلومات .. لقد دفنت في مقبرة التاريخ، أقصد ذلك الشخص أو المفكر الذي كان يضع كل شيء في ذاكرته، أصبحت اليوم كل ذكرياته للأسف الشديد في مكان آخر، هكذا يعيش البعض، فلا تكن منهم !!
نحن نعرف أن الأشخاص في سن الخمسين وما فوق، تنخفض ذاكرتهم بشكل طبيعي نتيجة كسل خلايا المخ في هذا العمر، وبالتالي يلزم ممارسة بعض الأنشطة الفكرية مثل القراءة والكتابة لإيقاف هذا التدهور الفكري، وهناك شواهد ملموسة أهمها ما نراه من فراغ معرفي في هذا الجيل الجديد وليد التواصل الإلكتروني والأجهزة الذكية .. أصبح الكتاب الورقي يعتريه الغبار وبقي على الأرفف دون قراءة .. وأصبحت المكتبات متاحف .. وهناك من يحذِّر من موت القراءة الورقية في زمن قريب ..
نرى حالات الخرف والزهايمر عند الأشخاص الذين لا يمارسون طقوس القراءة، بينما العلماء والأدباء والمفكِّرون والمختصون في العلوم المختلفة وأصحاب الثقافة وعشاق الكتب والكلمة والفكرة المكتوبة ومن الذين يستمتعون بقراءة كتاب أو صحيفة أو مجلة أو نشرة ورقية، قد تصل أعمارهم قريب المائة وهم في كمال وعيهم الفكري . ومن هنا جاءت أهمية الكتاب الورقي الذي يتضمن بين طياته العلوم والمعارف المناسبة لروح وفكر الإنسان .
لقد تغيَّر الزمن .. وتبدَّل الحال .. وغاب القارىء الذي بيده الكتاب .. وأصبحنا نركض وراء سيل عارم من المعارف التي قد تكون غثّة .. ليس لدينا صنَّاع أفكار .. أين الفكر والمفكَّرين؟ لقد ابتلعتهم رمال الحضارة الحديثة .. ولكيلا أسرف في تشاؤمي أقول ربما أكون على خطأ، فإذا كانت القراءة بذاتها، بصفتها فعلًا بشريًا مرموقًا، مهددة، فإن الذاكرة حتى السهلة التي يكتظ بها عالم اليوم مهددة بالانقراض لحساب التقنيات الحديثة . وفي المقابل سنجد محبو القراءة وعشاق الكتب في عصرنا الحاضر ساعدتهم التقنية الحديثة وفضاءات الإنترنت في الوصول إلى مصادر المعلومات من كتب ومقالات ومجلات ومدونات ومواقع فيها مطولات الكتب وقصارها، وأخذت القارىء إلى عوالم قد تغيبه عن الواقع الورقي .. لكن يتوجب على القارىء أن لا تأخذه التقنية الحديثة بعيدًا لميادين قد لا تسهم في ثرائه الفكري المأمول أحيانًا، وإنما تزوَّده بمعرفة سطحية .
الواقع ما يجري في العصر الراهن مثال واضح لموت المعرفة العلمية التي يمكن الحصول عليها من الكتب أو الجلوس على مقاعد الدراسة أو العمل داخل المختبرات . ما نشهده اليوم من جفاف في المعارف العقائدية والعلمية والفكرية لم تنشأ من فراغ ، بل سبقها سلوكيات جعلت من القراءة فعلًا ماضيًا بالنسبة للجيل الجديد الذي يقاطع الوسائط الورقية ولا ينفعل إلا من خلال بريق الشاشات الإلكترونية الساحرة .
أن التقنيات الحديثة في وسائل الاتصال عطلت جزء من مراكز الإبداع البشرية، لقد جعلت من الإنسان عبدًا، يستمع إليها، ويتبعها من منطلق التحول العميق في مفهوم المثقف، والعقل غير قادر على استيعاب ما يحدث من حوله . فإذا كان الأمر هو كذلك بالنسبة للعقل البشري، فلماذا نفتح المنابر للعلماء والمثقفين ليقولوا ما يودون أن يقولوه !!
في هذه الأيام أكثر من أي أيام خلت تتسمر عيوننا على الشاشات، وأينما توجهنا في البيت أو المكتب أو السيارة، إنه عصر الشاشة المضيئة .. ومع مرور الزمن فقدنا متعة النظر إلى غير الشاشة المضيئة .. فقدنا الرغبة في القراءة على الورق .. ما مصير الكتاب المطبوع في مكتبتنا ؟! لقد ضعف شغفنا بقراءة الكتاب المطبوع، نحن جيل الآباء تعودنا من صغرنا في ممارساتنا اليومية أن نقرأ القرآن الكريم ونحس بلذة القراءة ومتعة النظر حين نحمله من طرفيه، ونقرأ الدعاء لاستحضار عظمة المدعو وافتقار الداعي، ولن يقنعنا كل التقدم أو القراءة الذكية، ولا نتصور أن نعيش كل يوم دون أن نقرأ الآيات الكريمة أو الروايات الشريفة أو كتابًا ورقيًا .. علينا أن نبدأ بعد صلاة الصبح بقراءة القرآن الكريم، وأدعية الأيام، فنزداد ايمانًا بخالق الكون وعظمته سبحانه الذي يريد أن يعلمنا أن طريق العلم مفتوح وأن تطور العلم مستمر، وأن آيات الله تبارك وتعالى تتوالى لتزيد الإنسان علمًا ويقينًا، بمقتضى قوله تعالى: { وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } نسأل الله عز وجل وندعوه أن يزيد نشاطنا إلى مواصلة المسير على طريق البحث والتحصيل { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا } .
-- اللهم زد في قلوبنا محبّة الحسين عليه السلام، ومحبّة زيارته .. اللهم احفظ الزائرين لإحياء يوم الأربعين، وتقبل أعمالهم وسجلهم من الزائرين لأبي عبدالله الحسين أرواحنا له الفداء .. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّق الجميع لزيارة مولانا الإمام الحسين سلام الله عليه، وأن لا يحرمنا شفاعته عليه السلام في الآخرة .
اللهم أرحم من توسدت أجسادهم الأكفان وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه . اللهُمَّ صَلِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّد .
~ مأجورين ومثابين ~
__________
-- الخرف: وهو تدهور تدريجي للقابلية الفكرية ، تصاحبه تغيرات في المزاج ، ويعتبر مرض الزهايمر من أهم امراض الخلل الوظيفي المعرفي عند الكبار والذي يبدأ بالتدريج ويتطور ببطء ، ويعتبر النسيان من أهم علاماته، وهناك الخرف متعدد الاحتشاءات والشائع لدى كبار السن الذين يعانون من الجفاف المعرفي .
محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .
https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/07/blog-post_30.html

تعليقات
إرسال تعليق