#خاطرة_الجمعة « كيف أصبحنا أكثر ثرثرة »
من العادات السيئة المرتبطة بالعلاقات بين الناس، الميل لكثرة الكلام أو الثرثرة، فالكلمة نملكها قبل أن ننطق بها، لكنها تملكنا ساعة نطقنا بها .. وعادة عندما يميل الشخص لكثرة الكلام يقع في أحاديث هامشية لا معنى لها، وقد يكون لها تأثيرات سلبية عليه وعلى الآخرين وعلى نجاح الموقف .
بداية وقبل أن أخوض في الموضوع الذي سأكتب عنه أقول: عندما يجلس عدد من الناس ويتحدثون إلى بعضهم البعض، ترى كل واحد منهم يدلي بكل ما عنده من أخبار وقضايا ومواضيع مختلفة .. ولكن الجميع يتفق على أهمية وضع ضوابط أو حدود في كل ما يطرح في المجالس العامة أو الخاصة .. إلا أن هناك في كل مجتمع على وجه البسيطة أشخاص لا يُسمع عنهم سوى الخوض في مواضيع مليئة بالنقد والتجريح .. وأقاويل تثير الدهشة والاستغراب .. تراهم يتحدثون عن قضايا لا تخصهم، وينقلون أخبار عن أناس غير متواجدين معهم، وقد يتطرقون إلى مشاكل خاصة قد لا يجرؤ غيرهم على الخوض فيها أو قد لا تخطر للآخرين على بال . هذه السمة للأسف موجودة على نطاق واسع في مجالسنا الأهلية وفي دوائرنا الإجتماعية .
اليوم أصبحت الأمور أسهل في نقل الأخبار وخصوصيات الناس، فنحن في عصر السرعة الفائقة في نقل الأخبار، وتغطية الأحداث، بصورة يكاد يفقد فيه الإنسان قدرته على التمميز والاختبار، لكثرة ما يتدفق من رسائل معلوماتيه عبر قنوات الاتصال، تحمل في طياتها سيلا جارفًا من الأفكار التي تتقاطع حينًا وتتباين أحيانًا أخرى، ويزداد الطين بلة والأمر تفاقمًا بعد أن أصبح الإنسان أداة طيعة لتلك الأفكار فجعل من نفسه وسيلة بث لها في كل مجلس دون أن يتثبت مما يقول، فلا يمرره على عقله وقلبه، بل يتلقفها بأذنه ليلقيها على لسانه الجارح، وصدق الله تعالى : { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } . سورة النور ، الآية ١٥
إن المتابع لأحاديثنا اليوم في ساحتنا الإجتماعية، وما نراه في مجالسنا، يجعلنا نشعر بالحزن على ما آلت إليه سلوكياتنا .. معظم أحاديثنا قائمة على أقاويل وتكهنات واشاعات تفتقد إلى أبسط الأدلة وأدق المعلومات، لنخلص في النهاية إلى دس وهتك وقذف وافتراء .. دون مراعاة سمعة إنسان مؤمن، ويندرج فاعله ضمن أولئك الذين عدهم الله تعالى من { الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا } سورة النور، الآية ١٩ . فما الذي يدفع هؤلاء لافتعال أحاديث قائمة على قال وقالوا وقيل !!؟ هم من الأشخاص الذين يتعاملون مع الأحداث أو المواقف بطريقة شخصية تسيء إلى مشاعر الآخرين، وتعكر صفاء قلوبهم .. مثل هؤلاء الأشخاص يلازمهم الشعور بعقدة النقص، ويعانون من قصور في الفكر، يحتار الواحد في كيفية التعامل معهم .. هم يزدادون ولا ينقصون .. ويبطشون بكل قوة ولا يبالون .. هم ينقلون أخبار تصيب آخرين بالأسى والحزن .. هم يسارعون في نشر قضايا حساسة .. هكذا هم يعيشون حياتهم .. خالية من الفضائل والقيم الأخلاقية .
مواجهة مثل هذه الظواهر الإجتماعية والسلوكية التي أفرزتها نقلات الطفرة الحضارية في وسائل التواصل الاجتماعي، تحتاج إلى وقفة شجاعة مع أنفسنا .. نتمنى أن نتصدى لعيوبنا الإجتماعية وممارستنا السلوكية التي ينكرها الدين والخلُقُ والعقل السويّ، فإذا وجدنا شخص في مجلس بدأ يتحدث في أمور تهتك بحرمة مؤمن وتستهدفه، فلا بد أن نمنعه عن ذلك بأية وسيلة، وربما يكون التصرف سليمًا في الانزواء حتى ينكفىء عن ممارسة تلك السلوكيات .
نحن نرى العجب .. بعض الناس عندما يصله أي خبر، يسارع بنشره دون التأكد من حقيقته .. ينزله في شبكات التواصل الإجتماعي، وقد يتحول الخبر مصدر بؤس وتعاسة للآخرين، هنا تقع مشكلة كبيرة يصعب إزالتها .. هي صورة واضحة حول التحول الكبير في أخلاقيات الناس، الشخص الواعي أصلًا هو الذي يسعى دائمًا إلى إسعاد أخوانه المؤمنين، بحسن معاملته لهم، وكسب قلوبهم، وعدم تقبل أية إهانة أو التقوّل عليهم، وإخفاء عيوبهم، وبإيجاد مخرج أو حل لمشاكلهم .
قدمت كل هذا لأقول: لا يوجد مبررات تجعلني أميل لتصديق كل ما يصلنا من أخبار عبر قنوات التواصل الاجتماعي لكونها تفتقد لخاصيتين مهمتين: الأولى لها علاقة بالمصداقية، فمصداقية الخبر اليوم لا يمكن أخذه من وسائل التواصل الاجتماعي، بل إنّ بعض وسائل الاتصال الاجتماعي، أصبح اسمها مرادفًا لعدم المصداقيه، وأضحت مسرحًا للإشاعات المتعددة . والثانية ذات علاقة بالتوثيق، فالأخبار والمعلومات مجرد إرسالها عبر قنوات التواصل الاجتماعي .. تنتشر بسرعة فائقة، ولا يمكن استرجاعها أو إيقاف انتشارها .
وأخيرًا ، نقول أن التعمد بإلحاق الضرر بالآخرين جريمة نكراء لا يرتضيها ديننا الحنيف وتمقتها المبادىء والأخلاق الفاضلة، مثل هكذا أقاويل وما يشاع .. والتسرع بنشرها وتداولها بين الناس بمرتكزات واهية واتخاذ قرارات وقناعات لا تقبل الطعن دون تَحرَّ علمي وأخلاقي وانساني، ما هي إلا أكاذيب طالت الآخرين دون وجه حق، مثل تلك الأحداث حينما تصلنا يلزم التأكد من حيثياتها وأهدافها حتى لا نكون قد شاركنا بقصد أو بدون قصد في انتشارها، فالكثير منا قد أوصل نفسه إلى مراحل لا تخصه، ولا تعطيه خيرًا أبدًا .. علينا أن ننظر إلى الناس بالمنظار اللائق بهم .. ونضع مخافة الله أمامنا في كل تصرف نقوم به .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
__________
-- اللهم ارحم من رحلوا عن هذه الدنيا وتركوا في ذاكرتنا صورهم وأصواتهم وضحكاتهم .. اللهُم ارحم من اشتاقت لهم الروح .. اللهم آنسهم في قبرهم واجعلهم في مساكن جنتك آمنين مطمئنين .. اللهم خفف علينا شوقنا لأحبتنا الراحلين ..اللهم ارحمهم واغفر لهم وأعفو عنهم وأكرمهم بلذة النظر لوجهك الكريم وبلغهم شفاعة نبيك محمد صلى الله عليه وآله يارب العالمين والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آله الطيبين الطاهرين.
محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .
https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/07/blog-post_09.html
https://www.facebook.com/share/p/18krSc7ix1/

تعليقات
إرسال تعليق