بين امرأتين


 بين امرأتين

كانتْ الأولى... امرأةً، لكنها كانت للعمرِ شتاءً لا ينتهي،

وكانت الثانية... امرأةً أيضًا،

لكنها كانت ربيعًا إذا مرَّ على القلبِ أنبت فيه الحياة.

العذابُ كان امرأةً... تُجيدُ أن تُشعلَ في الضلوعِ حرائقَ الانتظار، وأن تجعلَ الليلَ أطولَ من أعمارِ العاشقين،

أعطيتُها القلبَ... فعادتْ به مثقلاً بالخُذلان،

وأهديتُها العمرَ...

فأعادتْ إليَّ ما تبقّى منه رمادًا.

ما أبكي عليها... فليس كلُّ راحلٍ يُبكى، ولا كلُّ حبٍّ يستحقُّ الحنين،

فبعضُ الخساراتِ كانت في حقيقتها نجاة،

وبعضُ النهاياتِ كانت أولَ الطريق.

لقد علّمتني،

دون أن تدري،

أن القلوبَ لا تُمنحُ لمن يُتقنُ كسرَها،

وأن الوفاءَ ليس كلمةً تُقال،

بل وطنٌ يُسكن.

ثم جاءت الأخرى...

فما جاءتْ امرأةً فحسب،

بل جاءتْ حياةً... وكان حضورُها يشبهُ صلاةَ الفجرِ حين يُطاردُ النورُ آخرَ جيشِ الظلام.

رأت فيَّ ما عجزتُ أنا عن رؤيته، وضمَّدتْ بصمتِها جراحًا كانت الكلماتُ تزيدُها نزفًا.

ما سألتني يومًا ماذا أملك،

بل سألتني: كيف حالُ قلبك؟

وكان ذلك السؤالُ أغلى من كنوزِ الأرض.

إليها...

لكِ الامتنانُ بحجمِ كلِّ دمعةٍ مسحتِها ولم أركِ تمسحينها، وبحجمِ كلِّ خوفٍ حوّلتِه إلى طمأنينة، وكلِّ انكسارٍ جعلتِ منه بدايةً جديدة.

أنتِ المرأةُ التي أثبتتْ أن الإنسانيةَ أجملُ من الجمال،

وأن النُّبلَ أبقى من السحر،

وأن القلبَ الكبير يصنعُ معجزاتٍ لا تصنعها الكلمات.

بين امرأةٍ علَّمتني كيف يكونُ الوجع،

وامرأةٍ علَّمتني كيف تكونُ الحياة...

عرفتُ أن النساءَ لا يُقاسْنَ بالوجوه،

.....   بل بالأثر.

فواحدةٌ تركتْ في القلبِ خرابًا، وأخرى شيَّدتْ فيه وطنًا.

واحدةٌ أغلقتْ أبوابَ الأمل، وأخرى فتحتْ نوافذَ الروحِ على السماءِ.

سلامٌ على كلِّ امرأةٍ جعلتْ من الحبِّ رسالةً،

ومن الوفاءِ خُلُقًا،

ومن الرحمةِ موطنًا للقلوب.

ولا عتبَ على تلك التي كانت عذابًا...

فلولا مرارةُ الأمس،

لما أدركتُ أن اللهَ قد يُؤخِّرُ السعادةَ حتى تأتي على هيئةِ امرأةٍ تعرفُ كيف تُداوي،

لا كيف تُوجِع،

وكيف تُحيي القلبَ بعد أن ظننَّت أن الحياةَ انتهت.

الدكتور سامي محمدسعيد المسلم

https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/07/blog-post_04.html


تعليقات