#خاطرة_الجمعة « إلى خطباء المنبر الحسيني .. هل دوركم يتمشى مع متطلبات العصر ؟! »

 


#خاطرة_الجمعة « إلى خطباء المنبر الحسيني .. هل دوركم يتمشى مع متطلبات العصر ؟! » 

للناس أن تستمع وتستنتج ما تريد ولكن هناك قواعد عامة للتثبت وتأكيد ما نسمع أو تثبيت استنتاجاتنا .. المنبر الحسيني هو أكثر مؤسسة تخاطب الجماهير المؤمنة، هذه المؤسسة التي تصنع فكر المؤمن، وتنير قلبه، وتقوي عقيدته، وتعالج القضايا التي تلامس واقعه . 

في هذا العصر كل شيء يخضع للتغيير والتبديل، وإذا عرفنا اليوم أن الخطيب يضعف إذا ظل على أسلوبه دون تغيير، ولتقريب الأمر لا نريد أن نبعد كثيرًا، فنحن منذ عقود من الزمن نرى الخطباء لم تظهر شمسهم وقدراتهم الخطابية إلا من خلال الخطاب العاطفي الذي أستقطب أغلب الناس، وملك قلوب المؤمنين حتى غدوا يرددون مع الخطيب أبيات الرثاء في الحسين عليه السلام، فقد تكون لنبرة صوت الخطيب أو رخامته جاذبية تستثير المستمعين، حيث القراءة الحسينية والتي معظمها أبيات رثاء في الحسين وأهل بيته عليهم السلام، تتطلب قدرات خاصة، فالصوت العذب الشجي أسلوب يشدّ الجميع إلى قضية الحسين عليه السلام، ولا زال هذا النهج يلفت الإنتباه، ويجذب رواد المجالس الحسينية، فلم يكن غريبًا أن نرى معظم الخطباء اليوم يسيرون على هذا النهج . 

وبعد هذه المقدمة وأثر المنبر الحسيني في تثبيت قواعد وأهداف الإمام الحسين عليه السلام، هنا لا بد من التأكيد على دور الخطيب التربوي والتعليمي والاجتماعي على المستمعين، وأن يكون واضحًا لديه ما هي الأمور التي تشغل الناس، ويحتاجها المجتمع، ويتم تقييمها وصياغتها لتناسب طرحها على رواد المجالس الحسينية، لتعالج قضاياهم العقائدية والإجتماعية وتلامس واقعهم المعاصر . فالمستمع أصبح اليوم واعيًا مثقفًا، والتهاون في هذه الأمور يعتبر خيانة للموقع الذي أوتمن عليه، وهو السير في نهج الحسين وأهل البيت عليهم السلام . وهنا تصبح مسؤولية الخطيب أكبر وأخطر !! إذن كيف يتعامل الخطيب مع متغيرات العصر؟

بداية وقبل الإجابة على ذلك التساؤل حول المتغيرات التي تواجه خطيب المنبر الحسيني، هنا لا بد من التطرق إلى تقسيمات بعض الكتّاب والمفكرين للخطيب ودوره العقائدي والفكري والإجتماعي، فالخطباء على أنحاء ثلاثة: هناك خطيب عاطفي وأشرنا له في المقدمة، وخطيب استعراضي، وخطيب هادف .. فالخطيب العاطفي: هو الخطيب الذي يستغرق مجلسه في أما المصيبة أو موقف من المواقف البطولية أو الحوادث التاريخية، الأمر الذي يجعل الحضور يتفاعلون ويستثيرون حماسة مع المجلس بالحب أو الحزن، في حين أن الخطيب الاستعراضي: هو الخطيب الذي لديه كم كبير من المعلومات، ويريد أن يستعرضها على المستمعين، سواء استفاد منها الحضور أو لم يستفيدوا، مثلًا يأتي بنظريات أو فلسفات وما شابه ذلك، وليس غرضه إثبات بأن الإسلام هو حق، وأن هذه النظريات باطلة، فقط للاستعراض، أما الخطيب الهادف: هذا الخطيب وقبل أن يقرأ في منطقة من المناطق، يسأل عن المشاكل والسلبيات التي توجد بها، فمثلًا هناك بعض السقطات الأخلاقية والعياذ بالله، أو التخلفات في الجانب العقائدي، أو بعض التخلفات في الأحكام العملية إلى آخره، ويرفع له تقرير، ويسأل: ما هي حاجة الناس، الشباب، النساء، الرجال إلى آخره. ثم يقرر المادة الخطابية التي يريد طرحها على المنبر، وتكون متناسبة جدًا مع احتياج المجتمع، هذا هو الخطيب المطلوب، فالمعركة القادمة هي بين الإسلام وسائر الاتجاهات الأخرى .. هي معركة ثقافية، في الجانب العقائدي والأخلاقي والسلوكي، ولا شك أن الخطيب العاطفي له دور مهم في إحياء قضية الإمام الحسين عليه السلام، وهذا وحده لا يكفي في هذا الزمن، يمكن كان يفيد في مراحل متقدمة، أما في هذا الزمن فنحن نحتاج إلى عمل أكثر لتحقيق هدف الإمام الحسين سلام الله عليه وهو إنقاد الناس من الجهالة والضلالة، فعلينا أن نلتفت إلى هذا الأمر، من أجل نشر أهداف الإمام الحسين سلام الله عليه .

اليوم تتباين طرائق الخطباء في محرم الحرام، فمعظم الخطباء يميلون إلى النمط التقليدي الذي يرتكز على السرد التاريخي لواقعة كربلاء طول مدة المجلس، وهذا النوع من الخطابة لا تحتاج إلى تحضير، ويكررها الخطيب في المجالس الأخرى، بينما المواضيع والقضايا الإجتماعية تحتاج إلى تحضير مسبق . ما نراه اليوم عند بعض خطبائنا - وفقهم الله - لا يرتقي إلى المستوى المطلوب، فالبعض منهم خطابه سطحي خالي من المعاني العميقة، والبعض الآخر خطابه حوزوي معقد، يستخدم كلمات صعبة غير مفهومة، من هذا وذاك يخرج المستمع من المجلس الحسيني غير فاهم أو غير مستفيد أو كلاهما ..! خصوصًا أن جيلنا الحالي بمختلف فئاته، جيل قوي متسلح بالإيمان، ومثقف وواعي ومرتبط بالحسين عليه السلام .. إذن ما الخطاب الذي ندعو إليه؟ وقبل الإجابة على ذلك التساؤل لابد من التوقف وتوضيح أكثر حول هذين النوعين من الخطاب : السطحي والمعقد . فأما الخطاب السطحي " البسيط " فهو الخطاب المليء بالقصص أو الكرامات أو الأحلام، الخالي من المعاني العميقة، وهذا النوع من الخطاب مرفوض !! لماذا ؟ النتيجة تطلع من المجلس فاهم كل شيء . . لكن دون فائدة . وأما الخطاب المعقد " الصعب " فهو الذي يجعلك تشعر أنك في حوزة مرحلة متقدمة، وكل تركيزك على الخطيب لكي تخرج منه بشيء، كلمات صعبة، أساليب ممللة رتيبة، مواضيع جدًا تخصصية، وهذا النوع من الخطاب مرفوض أيضًا !! النتيجة تطلع من المجلس غير فاهم شيء، وغير مستفيد شيء، إذن، الخطاب الذي ندعو إليه، هو الخطاب الوسطي والذي يتميز بالبساطة في الأسلوب .. البساطة في اللفظ .. البساطة في الطرح . مثل هذا الخطاب يحرك جمهور السامعين ويتفاعلون معه، وهذا هو الخطاب الوحيد الذي ندعو إليه !! وما بنا من حاجة إلى الكلام عن السطحي، والمعقد، فكلاهما لا يتوافق مع التوجيه المبارك من سماحة المرجع السيد علي السيستاني - دام ظله - من فترة وصلني مقطع للشيخ عبد الصاحب الطائي دام عطاؤه، تحدث سماحته عن مبادرة من العتبة الحسينية لفتح معهد للخطابة بكربلاء المقدسة، وبناء على توجيه من سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي دام عطاؤه، بأخذ المباركة  من المرجع السيد علي السيستاني- دام ظله - وقد طلب المرجع الأعلى من الشيخ الطائي أمور يجب أن يتقيد بها خطيب المنبر الحسيني، الأمر الأول أن تكون الدراسة وفق منهج الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله . والأمر الثاني عدم القسم على المنبر " أقسم بالله " . والأمر الثالث تحذير الخطباء بعدم ذكر الرؤى أو الرؤيا على المنبر . فمدرسة أهل البيت صلوات الله عليهم والتي فيها من الأدلة ما يكفي لهداية العالم، ولسنا بحاجة للرؤى أو وضع القصص الغريبة التي لا تكاد تصدق، أو ليس من الضروري أن نخاطب الناس على قدر عقولهم ؟!  في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: « ما كلم رسول الله صلى الله عليه وآله العباد بكنه عقله قط. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم » وحمدًا لله لدينا من الخطباء من يفكر بتغيير نمطه الخطابي بحيث يتماشى مع المتغيرات العصرية .

وختامًا نقول: « المطلوب من الخطيب قبل أن يصعد المنبر أن يحضّر تحضيرًا جيدًا، وأن يختار الموضوع الذي يتناسب مع فكر المجتمع ويعالج القضايا التي تلامس واقعهم، ويحصن نفسه علميًا بالاستعانة بالعلماء والمتخصصين، فالمستمع اليوم أصبح واعيًا مثقفًا، وهذا يتطلب من الخطيب أن لا يأتي بأمور يرفضها العقل، وهذا رأي المرجع الديني أية الله العظمى السيد علي السيستاني - دام ظله - في مسألة: كيف يتعامل الخطيب مع المنبر الحسيني؟ وأن نبدي الرأي في هذا الجانب لأهميته العقائدية والإجتماعية، ونؤكد بأن المنبر الحسيني سيظل إن شاء الله عطاؤه مستمر ويتجدد مع تتطور العلوم والمعارف والتقنيات الحديثة للاستفادة أكثر في نشر أهداف الإمام الحسين سلام الله عليه في العالم كله » .

-- فقدنا قبل بضعة أيام كوكبة من المؤمنين من رواد مجالس الحسين وخدامه في عشرة عاشوراء الحسين عليه السلام .. رحلوا وتركوا ورائهم دخيرة نفيسة من المحبة  .. رحلوا ولكنهم في قلوبنا باقون .. تغمدهم الله بواسع رحمته وجزاهم خيرًا عما أسدياه لمجتمعهم وبلدهم المعطاء من خدمات جليلة، نبتهل إلى العلي القدير أن يغمرهم بشآبيب رحمته، ويسكنهم فسيح جنانه ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

 طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد 

__________

-- أبها الخطيب الذي سيلقي خطبة أو كلمة على المستمعين، قبل أن تصعد المنبر حاول أن تتعب على التحضير، فإذا احتوى الخطاب الديني ما يرفضه العقل، يفقد المنبر جزءًا من مصداقيته، فالمنبر الحسيني ليس منبر الأحلام والقضايا الغير منطقية .. المنبر هو منبر أهل البيت عليهم السلام ، وهم الذين قالوا:« لو علموا محاسن كلامنا لأتبعونا » .

محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .

تعليقات