#خاطرة_الجمعة « سيرة ذاتية للجسم »
يقال : « إذا أردت أن تعرف صحة شخص فانظر إلى وضعية جسمه، وقفته، مشيته، ومظهره العام » إن جسمك أشبه بسيرة ذاتية متنقلة حيث يعكس التكوين من عضل ولحم .. تجاربك وإصاباتك ومصادر قلقك وهمومك ومواقفك سواء كانت وضعية جسدك مقوّسة ومشدودة أو منتصبة ودفاعية فإنك تتعلّم في مرحلة مبكرة من حياتك فتصبح من صلب بنيتك. فنحن نخزن مشاعرنا وتجاربنا وذكرياتنا ليس في عقولنا فقط، بل في أجسادنا وفي خلايانا وفي جلودنا وبكل جزء من جسدنا .
-- انتبهت إليه، القلق والضيق والتبرم بدأ يظهر على محيّاه بعد اقترابه من سن الأربعين ..هالني مرآه الذابل، واستبدت بي حيرة وذهول، أكل شيء يتغير في ظرف أشهر ؟! أبهذه السرعة تتغير المظاهر؟! فقد أخذت الصورة القديمة تقفز إلى سطح الذاكرة، التغييرات المفاجئة ليست على ما يرام، رغم أنه لازال في عمر الشباب ضمن الفئة القادرة على العطاء، فقد بدت عليه علامات الضعف العام والشحوب والهزال، هذه التغييرات تحدث للجسم عادة في مراحل متقدمة من العمر، أحسست أن صاحبنا وكأنه رجل مسن أو من تجاوزا مرحلة الشباب، كل هذه التغييرات المفاجئة استوقفتني في هذا اللقاء .. نعم أستوقفتني تلك التغييرات فقد يتبعها موكب من الأمراض والآلام .. فلم نراها قبلًا إلا في القليل عمن اعتل ولازم الفراش في هذه السن، وقد يكون سببها نفسي أو اجتماعي أو أسري أو جسمي أو شخصي أو صحي .. وأيًا كانت الأسباب فإن الدافع لثمن الإهمال هو صاحب الأربعين ربيعًا، فحياة الدعة والكسل والخمول وقلة الحركه وعدم المشي .. تترك وراءها علامات العجز والهزال، ولعل استدراك مثل هذا الثمن وتفادي دفعه يبدأ من بداية مرحلة الشباب حقبة من العمر التي تمثل الطاقة والنشاط والحيوية، وقبل الوصول لمرحلة الكهولة .
سألته مستفسرًا وهو يشهد هذا التصدع الذي آلت إليه حالته من حيث شحوب وجهه وذبول محيّاه وتراجع مظهره الصحي إلى الوراء، وعن دواعي الحزن الذي بدا واضحًا على قسمات وجهه، كل هذا شدني لأعرف بوضوح، فقلت له: لا بأس عليك، يعز عليّ أن أراك هكذا، ولم يخف على صديقي أن استفساري كان من باب المودّة وبقصد المساعدة، فقال دون تردد : لا أدري ماذا أقول لك ؟! كل مفردات اللغة لا تفي بالتعبير عن الذي أريد أن أقوله .. ماذا نريد من الحياة ؟ فقد تكون الأقدار سلبتني السعادة، كنت شابًا فتيًا قويًا .. والآن تعبت قواي وأُنهكت أعصابي .. فكبرت في المظهر لا في العمر .. وكنت أعرف أن وراء هذا التغير أبعادًا .. أشياء كثيرة في حياتي تحتاج إلى تغيير .. أرغب أن أسدل الستار لا أحتمل إثارة الأوجاع، ولن التفت إلى الوراء .
إن نمط الحياة الذي سلكه صاحبنا ساهم في تلك التغيرات، فلم يكن هناك أدنى شك في بعض سلوكياتتا المدمرة، فكثير ما رأينا أناسًا علامات الترهل والبدانة بادية على جسدهم لعدم إلتزامهم بالضوابط الصحية، عادات غذائية سيئة، وقلة الأنشطة البدنية، ونقص الراحة والنوم، وضغوط الحياة . ويجمع الباحثون على أن أسرار الشباب الدائم تكمن في البيئة النظيفة والطبيعة الجميلة والطعام الخفيف والحياة الهادئة.
كل فرد لديه قدر من اللياقة البدنية أو كفاءة أجهزته الحيوية أو الكفاية البدنية، ولكن بنسب متفاوته، وذلك حسب نظرية الفروق الفردية بين الأفراد، هذا من ناحية .. ومن ناحية أخرى حسب مقدار من يبذله الفرد من جهد وحركة، ويعني ذلك أن الفروق الفردية ليست هي العامل الأساسي الوحيد الذي يؤثر في الكفاية .. ولكن هنآك عوامل اساسية أخرى بل وأكثر أهمية من ذلك .. حيث تلعب الممارسات الرياضة الدور الرئيسي في هذا المجال . ليس هذا فقط .. بل إن عامل الوراثة والبيئة الطبيعية لها أهميتها في هذا الإطار من ناحية التعرض للإصابة بالأمراض ، كما تلعب التغذية الصحية دورًا إيجابيًا فعالًًا في هذا الميدان، هذا ما يشير إليه بل ويؤكده علم الكيمياء الحيوية وعلم الفسيولوجي، فكل فرد تتوفر لديه قدر من الكفاية أو اللياقه البدنية يتناسب وعمره الزمني .. وهذا ما يطلق عليه علميًا بالعمر البيولوجي .. وهناك تباين كبير بين العمر الزمني والعمر البيولوجي للفرد .. فالعمر الزمني هو تعداد سنوات عمر الفرد منذ ميلاده حتى تأريخ إحتساب العمر .. بينما العمر البيولوجي هو معدل ما تفي به الأعضاء البدنية والأجهزة الحيوية من وظائف داخل الجسم .. حيث يمكن أن يكون هناك فرد عمره الزمني عشرون أو ثلاثون عامًا بينما قدرة أعضائه الوظيفيه لأ تتعدى صبيًا في سن المراهقة الأولى، فتكون النتيجة أن يصبح هذا الفرد إما معوقًا بدنيًا أو متخلفًا عقليًا .. وفي الوضع الطبيعي فإنه يكون هناك تناسب بين العمر الزمني والبيولوجي .. أما بالنسبة لممارسي الأنشطة الرياضية فإن معدل العمر البيولوجي يتعدى العمر الزمني بفارق يختلف من فرد لآخر حسب نوع النشاط الرياضي الممارس .. وهذا يجعل الفرد الرياضي أكثر جلدًا وتحملًا للجهد والتعب .. وأكثر مناعة ضد الإصابة بالأمراض .. ويجعله كذلك أكثر حيوية وصحه .
أجسامنا ليست ثابتة، بل تتمدّد. وتتقلص مع تنوّع النظام الغذائي وبسبب ممارسة الرياضة والمرض، كما أنها تتغير مع تقدمنا في العمر، حيث تصبح مختلفة في نهاية حياتنا .. أجسامنا تتغير بشكل دائم، غالبًا ما نقوم بتفسير وقفة الأشخاص ومشيتهم كدليل عن المرض أو الصحة الجيدة أو الجمال أو القبح أو الأناقة أو القوة أو الضعف .. هذه المفاهيم المتغيرة لوضعية الأجسام تكشف علامات التقدم في العمر !!
فمئات ومئات من الحالات برهنت لنا على أن العلاقه بين عمر الشخص المسجل في دفتر هويته وظاهره ضعيفة . فأنت لا تحمل على كاهلك السنوات المسجلة في هويتك الرسمية، وإنما السنوات التي يظهرها محياك وجسمك للناظر إليك، ولا يمكن لأحد أن يحدد عدد سنوات عمرك لأن « علم التغذية » علمنا اليوم كيف نرجع الشيخوخة إلى الوراء !!
وأخيرًا .. ما الذي يحلم به ويتمناه كل إنسان في خريف عمره ؟
قلت أكثر من مرة إن عمر الإنسان في قلبه .. لا في رصيد الأيام والليالي التي تفصل بين مولده ومماته، ولذا، أشعر بـ ( ربيع دائم ) يعمر قلبي والحمد لله . أما ما أحلم به في ( ربيع عمري ) .. فهو أن أزداد حلمًا وحكمة وقدرة على التعامل الأفضل مع معطيات الحياة وأسأل الله المزيد من صلاح النفس، ونقاء النية، وحسن المعاد !!
-- اللّهُمَّ إن هناك أحبة لنا تحت التراب، اللّهُمَّ أغفر لهم وآنس وحشتهم وضاعف حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم، اللّهُمَّ بشرهم بالفردوس الأعلى. والصلاة والسلام على المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد
__________
-- طالما أن المرء منا يملك شفافية الحسّ وحضور العقل وملكه التعبير الصادق، فعمره ربيع دائم، وإن زاد رصيد العمر من السنين، والفلب النابض بالحب والتسامح والنقاء لا يدركه الخريف أبدًا !!
محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ.
https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/06/blog-post_11.html
https://www.facebook.com/share/p/1BVW4jMqBw/
https://www.facebook.com/share/p/1BVW4jMqBw/

تعليقات
إرسال تعليق