تحت وطأة المواسم: كيف حوّلت الضغوط الاجتماعية “الكرم” إلى استنزاف أسري؟
أماني منصور - خليج الديرة
لم تكن المناسبات في مجتمعنا العربي والإسلامي مجرد تجمعات عابرة، بل كانت نسيجاً اجتماعياً دقيقاً، تُختزل فيه معاني الوصل والتآخي ومواساة الآخر.
كان “الكرم” في الماضي مفهوماً عميقاً يتجاوز الوحبة أو المكان، ليتحول إلى قيمة إنسانية تترجم ببذل ما لديك عن طيب خاطر، مهما قل.
كانت “الوليمة” التي تُقام بمناسبة عرس أو خطوبة، حتى لو اقتصرت على الشيء القليل ، تحمل البركة ما يجعل الحاضرين يشعرون بأنهم جزء من لحظة في حياة أسرة .
كانت المناسبة هي “المناسبة” بحد ذاتها فرحة عرس، أو عزاء يوحّد الصفوف، أو دعوة لمشاركة وليمة عقيقة مثلاً. كان الفقر لا يخجل أحداً، بل كان التكاتف والعطاء بقدر الاستطاعة هو عنوان الكرم الحقيقي.
أما اليوم، وبفعل زحف ثقافة “الاستعراض الاجتماعي” ووسائل التواصل التي حوّلت كل لحظة إلى حلبة سباق، فقد تحولت المناسبات إلى كوابيس مرهقة.
قاعات الحفلات الفارهة، “البوفيهات” المفتوحة التي تترك بقاياها في الحاويات، الأزياء التي لا تُلبس إلا لساعات، والولائم التي يُقاس نجاحها بعدد “اللايكات” على سناب شات .
لم يعد الضيف يشعر بأنه مدعو لمناسبة، بل أصبح مشاهداً في مسرحية باذخة.
أصبحت المناسبات بؤراً للتوتر، واستنزافاً للمدخرات، وسبباً في خصومات زوجية.
“خليج الديرة” حاولت الغوص في هذا التناقض الحاد بين كرم الماضي الذي كان يبني المجد، وبين “الفشخرة” الحالية التي تهدد كيان الأسرة البسيطة وتجبرها على منافسة لا طائل منها.
عندما يتحول الفرح إلى إفلاس: “المجازاة” التي تستنزف العمر
تبدأ المعاناة من أول “بطاقة دعوة” تصل عبر تطبيق واتساب.
زينب عبدالله، ربة منزل لأربعة أطفال، وزوجها موظف براتب لا يتجاوز 6 آلاف ريال، وجدت نفسها مضطرة للذهاب إلى ثلاث مناسبات في أسبوع واحد.
تقول بصوت مرهق: “الموضوع لم يعد كرماً، فإحدى العائلات دعتنا في إحدى صالات الأفراح، ووالدة زوجي ستغضب إن لم نذهب.
هنا يظهر مصطلح “الضغط الاجتماعي” كسلاح ذي حدين؛ زينب مضطرة لشراء فستان جديد لكل مناسبة، لئلا تتكرر الصور وتنتقدها نسيباتها.
وتضيف: أصبحت أتوتر عند أي مناسبة ، لأنني سأضطر للبس الجديد ، فبعض الأحيان أضطر للإشتراك في جمعية فقط لتغطية المصاريف .
قراءة تربوية: الكرم تحت ضغط المقارنة
ويرى المختص التربوي ناصر الراشد أن ما يحدث اليوم لا يرتبط فقط بتغيّر شكل المناسبات، بل بتحول اجتماعي واضح في دلالة الكرم نفسه.
ويقول لـ”خليج الديرة” إن الكرم كان يُمارس في السابق بوصفه قيمة مرتبطة بالعطاء والتكافل والإيثار، لكنه أصبح في كثير من السياقات خاضعاً لما يعرف في علم النفس الاجتماعي بـ”المقارنة الاجتماعية” و”ضغط الاستحسان الاجتماعي”.
ويضيف أن كثيراً من الأسر محدودة الدخل باتت تقارن نفسها بأسر أعلى دخلاً، ما يخلق شعوراً ضمنياً بعدم الكفاية، فتندفع إلى سلوكيات استهلاكية تفوق قدرتها الفعلية، فقط خشية النقد أو خوفاً من السؤال المتكرر: “وش بيقولون الناس عنا؟”.
ويشير الراشد إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي عمّقت هذا السلوك، من خلال تقديم صور مثالية ومجزأة للواقع، رفعت سقف التوقعات الاجتماعية بصورة غير واقعية.
ويؤكد أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في استعادة التوازن بين الحضور الاجتماعي الوازن والاستقلال النفسي في اتخاذ القرار، عبر إعادة تعريف الكرم بوصفه قيمة تتناسب مع القدرة، لا ميداناً للمبالغة أو التنافس.
قراءة اقتصادية: حين يتحول الكرم إلى استنزاف
من جانبه، يرى الدكتور عبدالله المغلوث، المختص الاقتصادي، أن الكرم في أصله قيمة إنسانية نبيلة تعكس روح العطاء، وتسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية وبناء مجتمع أكثر تماسكاً وتكافلاً.
ويؤكد لـ”خليج الديرة” أن الكرم لا يقتصر على العطاء المادي فقط، بل يشمل الدعم المعنوي والمساندة، غير أن الخلل يبدأ عندما يختلط الكرم بالإسراف.
ويشرح أن الكرم والإسراف يشتركان في بذل المال، لكن الفارق بينهما كبير؛ فالكرم إنفاق لقضاء حوائج الناس وتقديم العون لهم، أما الإسراف فهو إنفاق بدافع التفاخر والمباهاة.
ويضيف أن الأسرة مطالبة بتحقيق توازن صحي بين الإنفاق والادخار، لأن اختلال هذا التوازن قد يدفع الإنسان إما إلى البخل إذا غلب الادخار، أو إلى الإسراف إذا تجاوز الحد في الصرف بلا طائل.
ويحذر المغلوث من أن الخطر الحقيقي يظهر عندما يصبح الدافع إلى الإنفاق هو كسب إعجاب الناس أو تجنب نقدهم، لا تلبية الحاجة أو أداء الواجب الاجتماعي باعتدال.
ويقول:“عندما يصبح السؤال: ماذا سيقول الناس؟ هو المحرك الأول للإنفاق، فإن الكرم يتحول تدريجياً إلى إسراف، ثم إلى استنزاف أسري يرهق الميزانية ويضغط على استقرار الأسرة”.
زمان لوّل ومراعاة الجيران
ويحدثنا الحاج عبدالله بن إبراهيم (82 عاماً) يقول : تلك السنوات نحاسب على الجيران والأهل .. عندما نذبح دجاجة للغداء نحاول أن لا نرمي الريش خارج البيت حتى لا يتأثر أحد الجيران ممن ليس له مقدرة بذلك .. رسالة للجميع
وأخيرا .. بلا فشخرة
بين كرم الأمس الذي كان يزرع المحبة، وفشخرة اليوم التي تغرس الإفلاس، تظل العائلة البسيطة هي الخاسر الأكبر، آن الأوان لنتذكر أن المناسبات ليست حلبة سباق و"فشخرة"، بل هي جسور تواصل، وأن الإنفاق لا يقاس بالأرقام، بل بصدق النية وبركة العيش، وإلا سنظل نرقص على أنغام الديون، ونبتسم بالصور، ونبكي في الخفاء.
https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/05/blog-post_4.html
https://x.com/Qatif_news/status/2051254798297534742
https://www.facebook.com/share/p/1BczFtQnmQ/
https://www.facebook.com/share/p/1CjUNGFbCB/
https://www.facebook.com/share/p/1Ei5ZtMfsf/

تعليقات
إرسال تعليق