#خاطرة_الجمعة « هموم ما بعد التقاعد »


 #خاطرة_الجمعة « هموم ما بعد التقاعد »

المتقاعدون ينقسمون إلى ثلاث فئات، منهم من يتقاعد ويكون سعيدًا حامدًا لربه على وصوله لهذه المرحلة، وذلك بفضل استعداده المسبق للتقاعد . وهناك فئة أخرى ليست مستعدة بشكل كامل وتحتاج إلى بعض المساعدة . أما الفئة الأخيرة فهي فئة المتقاعدين الذين يرون أن التقاعد موت، وهم أكثر من يحتاجون إلى الدعم .

-- ظل يعمل كأن أحدًا يطارده .. واستمر يعمل بلا كلل، وكان الأمر يبدو طبيعيًا بالنسبة له، فهو قد بلغ سن التقاعد، لقد قضى عمره ووقته للعمل، تنبه فجأة وفتح عينيه فإذا سنوات حياته مضى عليها اربعون عامًا، مدة الخدمة المقررة، لقد شاب واكتهل وأفنى عمره في خدمة بلده ومجتمعه وأبناء جلدته، عمل ما فيه الكفاية، وجاء الوقت ليستريح بعد الصراع الطويل مع الوظيفة وأجوائها الرسمية والروتينية، عندها بدأ التفكير في نمط الحياة ما بعد التقاعد وما يترتب عليه من نتائج .. وراح يفكر  بما سيحل به وعائلته أو ما بقي من عائلته تحت جناحه وفي حماه . 

إن مجرد مرور الزمن شيء يبعث الرعب والرهبة والتشاؤم .. فكأن ثقل السنوات الأربعين التي قضاها في العمل الوظيفي، قد وقع فجأة فوق رأسه، ولا يلام على ذلك، فمعاشه التقاعدي لا يفي بحاجاته، وما ينتظره من مصروفات وقائمة مطالب التي أخذت تتزايد في السنوات الأخيرة، وهذا مؤشر مؤلم لواقع نعيشه، وليس من السهل معالجته إلا من خلال ضبط إدارة شئون الأسرة قبل الوصول إلى هذه المرحلة .

هناك الكثير ممن يشكون من متطلبات الحياة والتفكير في ما هو قادم .. هكذا صاحبنا لم يعد نفسه لهذه المرحلة .. وهكذا وجد نفسه وعائلته في بيت متوسط، معاشه لا يكفيه لمؤنته ومؤنة من يعول .. اضطربت حياته وارتبكت عيشته، وكان يضطر في بعض الأحيان إلى الاقتراض لتأمين احتياجات أسرته، لأن مستويات المعيشة والتضخم ومتطلبات الحياة كلها تغيرت اليوم عما كانت عليه بالأمس، وهو من الناس الذين لا يدخرون من راتبهم أبدًا ، مثل هؤلاء قد يعانون من عسر الحياة وهموم المعيشة بعد التقاعد .

-- حين يطوي الموظف مدة خدمته المقررة، ويتسلم قرار تقاعده، يخيّل إليه أنه يعبر جسرًا نحو حياة أكثر هدوءًا وطمأنينة، يتخيل صباحاته المقبلة بلا منبهٍ يوقظه، ولا مسؤوليات تثقل كاهله، ويظن أن سنواته المقبلة ستكون وقتًا لجني ثمار عمرٍ قضاه في خدمة بلده، غير أن تلك الأحلام كثيرًا ما تصطدم بجدار الواقع، لتنكشف أمامه حقيقة صامتة تتسلل ببطء، حقيقة لا تُرى لكنها تُشعره يومًا بعد يوم أن دخله يتآكل مثل شمعة تذوب ببطء، حتى يخشى أن تنطفئ قبل أن تكمل آخر مسيرتها. هذه الأزمة الخفية تُعرف اقتصاديًا بـ ” تآكل الدخل” فالمعاش التقاعدي يبقى ثابتًا بينما ترتفع تكاليف المعيشة بفعل التضخم، ما يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية عامًا بعد عام ..

هناك في الواقع أكثر من جانب لمشكلة المتقاعد المعيشية، فمخاطر التغيرات الحياتية قد تؤدي إلى صعوبة تأمين حياة كريمة للعائلة، وبمستوى معيشي يليق بخدمته . فإذا كان الشخص المتقاعد من ذوي الدخل المنخفض، ويتمتع بصحة جيدة، فمن الأفضل البحث عن مورد إضافي لكسب لـ « لقمة العيش » تردم القصور أو الفجوة في " معاش التقاعد " الذي لا يفي بالحد الأدنى من ضرورات العيش . أما إذا كانت الحالة الصحية ما بعد التقاعد تحول دون القدرة على مزاولة أي عمل، فسوف يستقبل التقاعد بالحزن والسخط والاكتئاب .. وهناك من خرج من الوظيفة بمكاسب مالية ساعدته على مواجهة ضغوط الحياة وقسوة الأيام . 

ومهما تباينت الأحوال حول كيفية المعيشة بعد التقاعد، فإننا بحاجة إلى دراسة متأنية من قبل المعنيين لأصحاب الرواتب المنخفضة، بحيث تحفظ للمتقاعد الضعيف وأسرته كرامته دون أن يكون ذلك منّة أو صدقة . 
الرجل قد تخطى سن الستين، وأكمل مدة الخدمة المقررة، ولديه زوجة وأولاد وبنات بعضهم قد خرج عن رعايته، وهناك من بقي منهم تحت جناحه وفي حماه ورعايته، والمعاش التقاعدي الذي يحصل عليه، هو كل ما يملكه في دنياه، لا يفي بالحد الأدنى من ضرورات العيش، وهكذا وجد نفسه صاحبنا فجأة في مستوى معيشي لا يليق بوضعه الأسري والإجتماعي .

على كل حال نحن نعرف أن عصرنا الحالي الذي نعيش فيه أصبح مصدر مصاعب ومتاعب وضغوط قاسية في حياة الإنسان، هذه الضغوط التي يعانيها الإنسان تشكل تحديًا صارخًا للمتقاعد، الذي ظل راتبه التقاعدي على ما هو عليه الآن . اليوم قد تبدلت معيشة المتقاعدين، لقد وجدوا أنفسهم أمام تحدي جديد، فهناك متطلبات مفروضة عليهم، وأخرى يتحمل الأبناء جزءًا منها، ومهما تكن تلك المطالب أو المسؤوليات، فإن المتقاعد دومًا يحرص على توفير أفضل السبل من أجل تأمين حياة عائلية أكثر استقرارًا وأمانًا صحيًا وماليًا .. نعم الآباء يتحملون فوق طاقتهم في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تواجه الأبناء، وهؤلاء المتقاعدون لا دخل لهم سوى المعاش التقاعدي، والمعاش أقل من مستوى معيشتهم، لقد أصبحوا يألمون من قلة ما في جيوبهم .

إن مسيرة الأيام القادمة تتضمن أهم بواعث القلق المتعلقة بالتحديات، ما يفرض على الموظف ضرورة التخطيط ما بعد التقاعد لمواجهة التغيرات الحياتية، وتعد التدابير الاستباقية والوقائية من أهم العناصر في هذا الصدد، لا سيما الصحة والأمان المعيشي، والحماية الاجتماعية، وباتت ارتفاع مستوبات الإنفاق وزيادة المتطلبات الأسرية التي نشهدها أكثر تعقيدًا وصعوبة، وهذا ما فرض ضرورة إعادة تقويم نظم الادخار، ورفع الوعي بأهمية التخطيط لهذه المرحلة مبكرًا، حتى يتمكن الشخص بعد التقاعد من مواكبة الإحتياجات المتغيرة، ولا يتأثر بالظروف الحياتية، ويعيش مع أسرته في وضع مطمئن بعيدًا عن القلق من بعض الجوانب، خصوصًا الموارد المالية التي قد تتقلص بعد الدخول في هذه المرحلة الجديدة .

وتظل مسألة معاشات التقاعد في أولويات التخطيط الاستراتيجي، للوصول إلى ذلك الهدف . وأن يكون للمتقاعد الأولوية في تصحيح وضعه المادي، لكي يصل إلى ما يصبو إليه، ويتصدى بكل ثقة لتحديات المستقبل !!

-- نبكي ونذرف الدمع السخين على أهلنا وأحبتنا وأبناء مجتمعنا كانوا بيننا وأمام أعيننا وفجأة وفي غمضة عين غادرونا، اللهم أرحمهم وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه. والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار .

 طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .  

  ____

المتقاعد الذي يحصل كل مرتبه أو معظمه ويعيل أهل بيته - هذا المتقاعد من المفترض أن يكون لديه أولاد وبنات لم يستكملوا دراستهم، ولما تقتضيه الدراسة من مصروفات، ومن ثم الزواج وتكاليفه الباهظة التي ترهق جيب الشاب، والذي أعرفه من أفراد مجتمعنا أن الأب " متقاعد " يساهم في جزء من تلك التكاليف، وأيضًا في بناء عش الزوجية لحياة  ابنائهم .

محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .







تعليقات