#خاطرة_الجمعة « القطيعة بين الأخوة »


 #خاطرة_الجمعة « القطيعة بين الأخوة » 

موانع القرب من الله تعالى كثيرة، كما أن أسباب الوصول إليه والقرب المعنوي منه كثيرة أيضًا، ولكن رفع الموانع أولًا أولى وأوجب فهو تعالى قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاني . وكمثال على الموانع " قطع الرحم " وهو داء مستفحل ومتفشي في مجتمعنا، ولعلك ترى أخوة أشقاء بينهم خلافات عائلية تصل إلى حد  القطيعة . 

بالأمس قابلني شخص من رواد مجالس الذكر والإحياء ليقول لى: علاقتي بأخوتي الأشقاء علاقة عادية جدًا، أو لنقل علاقة باردة وبلا طعم، مجاملات في المناسبات والأعياد، كلمات جوفاء في حالة المرض، لا أشعر تجاههم بذلك الرابط الذي يشعرك بأن الآخر منك .

وقبلًا حكى لي أحد الأصدقاء وهو يغالب دمعة تكاد أن تطفر من عينيه: ألا تجد حلًا لما أعانيه فأنا لا أنام أكثر ليلي لطول ما أفكر فيما آل إليه أمري ..أحد إخوتي لم يعد يكلمني منذ أكثر من عام، وعندما ألتقيه يشيح بوجهه بعيدًا عني، على الرغم من أنه يرد سلامي إن سلمت، ويكتفي دون الحديث معي، ولديّ رغبة بعودة العلاقة كما كانت سابقًا ؟!

هذا ما يصادفني من نماذج حية يشكو من نتائجها أكثر أفراد مجتمعنا وهي في رأي من أشد الظواهر التي سببت لنا تأزم في علاقاتنا الشخصية، ظواهر استنبتتها حياتنا العصرية لا عهدة لنا بها، بدأت تطالعنا أكثر فأكثر .. ظهرت ملامحها في هذا العصر المادي، وهي تتعلق بالقصور والتقصير في علاقاتنا مع الأب، والأم، والأخوان، وما أشبه ذلك .

في الواقع هناك تراجع في مستوى علاقاتنا العائلية، ما نشاهده في هذا الزمان هو تحول خطير في حياة الإنسان المؤمن .

قبلًا كانت العلاقة داخل العائلة .. العلاقة مع الأهل ليست مجرد علاقة ميكانيكية بحته فهذا أب، وهذا أخ، وهذه أخت، وهذه أم، و .. ولا اختيار لك في كل ذلك، هذه علاقة ميكانيكية، ولكن بالإضافة إلى هذه العلاقة لا بد أن تكون علاقات إنسانية ترفل بالحب والمودة والرحمة والتعاون .. اليوم بدأنا نسمع عن خلافات عائلية لم تكن موجودة قبل ذلك، التبدل الذي طرأ على حياتنا أصابت قيمنا العقائدية والإجتماعية، وهذا يسوقني للحديث عن علاقة الأخوة والأخوات في ظل الأجواء الفاسدة التي نعيشها في هذا العصر، نحن نعيش في فوضى بسبب ما نمر به من ثقافات هذه الدنيا . فإن بعض  الناس - وما أكثر هذا البعض - قد أوصل نفسه إلى مراحل لا تعطيه خيرًا أبدًا، وسببت له الهموم وما رافقها من مصاعب ومتاعب وضغوط قاسية، مظهر مؤلم أن تجد في أغلب أوساط مجتمعنا خلافات على قضايا بدأت في الظهور على السطح بشكل مقلق وهي تأزم العلاقات بين الإخوان والأخوات بخصوص رعاية الآباء والأمهات المسنين، والأسوأ من ذلك أن تجد بعضهم على أبواب المحاكم بسبب نزاعات وصراعات على قضايا أرث وغير ذلك من تضارب مصالح .

إن ما نعيشه من نزاعات عائلية بين الإخوة والأخوات، هو مظهر من مظاهر القطيعة والتباعد وقطع الأرحام . 

مناسب أن نذكر في هذا الشهر العظيم ثقافة التسامح والصفح والتجاوز لكي يستفيد المؤمن من بركات شهر العطاء ويكسب أعلى قدر من الخيرات، فهي فرصة عظيمة ليتخلص قلب المؤمن من الأحقاد والضغائن على الأرحام والأقرباء وبقية العباد، فأغلب الأسر في مجتمعنا تعاني من خلافات بين أفرادها، وهي مصدر من مصادر تفتت الأسر وتشتتها . 

هناك من الناس حينما تقول له: « اصفح عن أخيك » يقول: « لا تدري أنت ماذا عمل » ؟ ولكنك ماذا عملت أنت أيضًا تجاه الله !! إنك تريد من الله أن يغفر لك ذنوبك مهما كانت كبيرة وعظيمة، وما قدر هذه الذنوب التي تتعلق بقضايا الحياة أمام الذنوب التي تريد عفو الله تعالى عنها؟ حقوق الأخوة من الناحية الشرعية مرتبطة بالله تبارك وتعالى، يقول صلّى الله عليه وآله : « من سرَّه أن يمدّ الله في عمره، ويبسط في رزقه، فليصل رحمه » بحار الأنوار ج ٧١ ص٨٩ .

البعض منا يمارس المثل بالمثل، إن زرتني زرتك .. وإن أعطيتني أعطيتك .. وإن أحسنت إليّ أحسنت إليك .. فمن يقيسون عطاء الأخوة بقانون الأخذ والعطاء لن يحصدوا سوى جفاف المشاعر وتصحر الأحاسيس وتباعد المسافات!!!

وفاؤك لأخيك يجعلك واقفًا معه في السراء والضراء .. وإخلاصك يجعلك تبحث له دائمًا عن ما يسعده ويساعده .. وحبك يجعلك تتألم لألمه وتفرح معه عندما يفرح .. عندما يأتيك أخاك وأنت مثقل بالهموم، فتستمع إلى همومه، وكأنك في قمة السعادة، وقد لا تحل لأخيك مشاكله، ولكنك تشاركه همومه، وتبحث معه عن الحلول، وتذهب إلى أكثر من ذلك عندما يكون بإمكانك عمل شيء ما وبالقدر الذي تستطيع أو تجده مناسبًا .

 إن مما يحز في النفس ويؤلمها جدَّ الإيلام أن نرى قصورًا في حق الأخوة، يصل إلى حد الجفاف والجفاء، وتحاشي الالتقاء، والأسوأ من ذلك القطيعة، التي لا ترضي الخالق سبحانه وتعالى.

شهر رمضان هو خير فرصة لتحقيق المحبة والمودة، إنها دعوة في هذا الشهر العظيم للاهتمام والتأكيد على التواصل بين الإخوة، والتزاور، وبث روح المحبة والمودة والألفة فيما بينهم، لتبقى الروابط الأسرية قائمة. 

وأخيرًا ، الأخوة ليست أسماء مرصوصة في بطاقة رسمية .. ولا أوراقًا مرسومة في شجرة العائلة .. ولا أرقامًا هاتفية مسجلة في هاتفك .. ولا علاقات صداقة تنهيها حين يغدر بك الصديق ويخون .. أنتم إخوة حملتكم الرحم نفسه ، وأرضعتكم الأم نفسها، وعشتم في البيت نفسه، وأكلتم من الصحن نفسه، وشربتم من الكأس نفسه، واحتفظتم بالذكريات نفسها، ولذلك لن تستطيع أن تمحو كل ذلك، وحتى لو حاولت أو تجاهلت وجوده في حياتك، ستشعر في نهاية كل يوم بتأنيب الضمير فالدم الذي يسري في عروقك سيشعرك بالحنين لإخوة يقاسمونك كريات دمك نفسها !!

-- عندما تشتدُّ عليَّ الكربة ويضيق بي الخناق، ويأخذ نفسي الحزن  والغم، وتحاصرني الشدة تتطلع نفسي إليك - يارب - لأنك أنت المفزع والغياث، أطلب الفرج منك لا من غيرك، ومن يكون غيرك، وما هو إلا مفتقرٌ مثلي؟ وحدك القادر على الانتقال بالحزن إلى الفرح، وبالعسر  إلى اليسر، وبالغم إلى الفرج « يا مَفْزَعِي عِنْدَ كُرْبَتي، وَيا غَوْثي عِنْدَ شِدَّتي اِلَيْكَ فَزِعْتُ، وَبِكَ اسْتَغَثْتُ، وَبِكَ لُذْتُ لا أَلُوذُ بِسِواكَ وَلا أَطْلُبُ الْفَرَجَ إِلَّا مِنْكَ، فَأَغِثْني وَفَرِّجْ عَنّي .. »

 طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد . 

_________

-- من الضروري أن تضع خطوطاً حمراء لزوجتك ( أو لزوجكِ) ولأبنائك وبناتك حين يكبروا ولا تسمح لهم بتجاوزها فيما يختص بإخوانك وأخواتك .. فأغلب مشكلات القطيعة بين الإخوة تكمن في تدخل الزوجات أو الأزواج والأبناء والبنات وإيغار صدور الإخوة على بعضهم البعض . لذلك لا تسمح لهم أو لغيرهم أن يتدخلوا في تشكيل إطار علاقتك بإخوتك ويدفعوا بك نحو طريق القطيعة والبعد .

محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .

تعليقات