#خاطرة_الجمعة « قطعة من سيرتي الذاتية »
لقد جرت العادة أن الذي يكتب بعد تقاعده عن نفسه وتجربته الخاصة والعملية، لا يحتاج في الحقيقة أن يسأل نفسه لماذا يكتب؟ لأن الجواب واضح، وهو أن لديه شيئًا يريد إيصاله للناس، أو هكذا على الأقل ويعتقد . الأمر يحتاج إلى وقفة تأمل وتفكير لكونها رحلة طويلة مليئة بالتجارب والتحديات والانجازات، ومن واجب جيل اليوم أن يتعامل معها حتى تواصل القافلة سيرها بنفس النجاح إن شاء الله .
أنا مدين لله عز وجل بكل شيء، ثم لقسوة الحياة التي شكّلت طفولتي منذ البداية، فلولا هذه القسوة ما استطعت أن أنمّي نفسي صغيرًا وأبنيها كبيرًا، بشفافية الكبار، مما جعلني أتلمس الطريق مبكرًا، وأحاول أن أنجز أي شيء بنجاح مهما كان ذلك الإنجاز متواضعًا، وكان ذلك مقرونًا بوجدانية خاصة غرست في أعماقي الشعور بالثقة والاعتماد على الله تعالى، وقد منحني ذلك الإحساس المرهف وتلك الاستقلالية قوة على مكابد التحديات التي واجهتني، وترجمت ذلك عبر التحصيل العلمي وما تحقق لي من نقلة ذهنية ونجاح بحمد الله أنعم بنتائجه حتى اليوم في محطات قافلة الحياة .
وبعد ،،، ماذا عساني أن أقول عن سنوات عمري الوظيفي وتجربتي العملية التي لازمتني سنينًا طويلة، وإلى المكان الذي ألفته وعرفت فيه من عرفت؟ لقد كانت سنوات عمل متواصل وراء تلك المكاتب الزاخرة بالأوراق والتقارير والمعاملات حققت بفضل الله تعالى ما أردت، لقد شُرفْتُ من أصحاب القرار في هذا البلد المعطاء برئاسة قسم المطابقة في قطاع التفتيش بالهيئة العامة للغذاء والدواء - المنطقة الشرقية. هذا القسم المسؤول عن فسح الأغذية المستوردة، فهي بداية المسؤولية، وفرصة أقف من خلالها على أرضية صلبة من الخبرة والدراية، ومرحلة اتخاذ القرار .. ولكي نتخذ القرارات الصحيحة،لا بد من تجربة عملية في مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء، فقد كان لي مسبقًا مشوار طويل في قسم الملوثات في مختبرات وزارة التجارة والصناعة وكُلّفت برئاسة القسم بعد حصولي على شهادات تدريب من الفريق الأمريكي المختص بتطوير مختبرات الوزارة، في الملوثات العضوية والكيميائية. وأول لحظة إنجاز عشتها كانت عندما قدمت رأيًا يتضمن عدم السماح بإضافة المحليات الأصطناعية لأغذية الأطفال ليشمل فوق الــ « 3 سنوات » وقد بذلتُ جهدًا كبيراً في سبيل إقناع المختصين وأصحاب القرار في هيئة المواصفات والمقاييس على المقترح، وتم التوصل في النهاية إلى الإكتفاء بتدوين تحذيرات الأستعمال ضمن بيانات بطاقة المنتج الغذائي . وكان من أبرز ثمرات ذلك الإنجاز استلامي قسم المطابقة وإصدار قرارات فسح الارساليات . لقد استفدت كثيرًا من حصاد النضج الحضاري ومن تراكم الخبرة، والتوفيق في إصدار قرارات الفسح، ولم أندم قط والحمد لله عن أي قرار إتخذته، وكان رئيس قطاع التفتيش بالهيئة العامة للغذاء والدواء بالمنطقة الشرقية أطال الله في عمره، يشد أزري وأشد أزره، أمضينا معًا في خدمة بلدنا المعطاء منذ أكثر من ثلث قرن، وعلمتني تجربة العمل إنه ليس لمعادلة النجاح وصفة تقرأ في الكتب، ولكن المرء العاقل يتعلم من تجاربه، خطئًا وصوابًا، وأحمد الله أن مكّنني من خدمة هذا الوطن الغالي وأن كنت أطمع في الأفضل دائمًا، وهي تجربة أعتز بها في كل حال، لأنها أضافت لي الكثير خبرةً ومعرفةً .
تقاعدت في سن الستين من عملي الوظيفي وتفرغت إلى هوايتي في القراءة المعمقة والبحث عن كل جديد في مجال تخصصي مع التحصيل المعرفي الجيد، وبدأت أشعر بأن لدي من الوقت الثمين للبحث والإطلاع لكل جديد من أجل التفاعل الإيجابي مع قضايا المجتمع. فالوقت هو العنصر الوحيد الذي يرتفع ثمنه باستمرار، لأنه ما نملكه منه محدود ولا يمكن زيادته أو إطالته، والطلب عليه في ازدياد لذا فإن أفضل طريقة في كيفية استثمار الوقت وتحديد أولوياته تكمن في استغلاله بصورة أفضل، أي بحكمة وفاعلية .
مفهوم التخطيط لما بعد التقاعد يختلف اختلافًا كبيرًا بين فرد وآخر كاختلاف الأفراد أنفسهم، فكَثرت المفاهيم وتضاعفت الأفكار، حتى أصبح الوصول إلى نهاية العمل الوظيفي يعد أمرًا حيويًا لكل موظف.
يشكو أغلب المتقاعدين من ضياع وقتهم وجهدهم دون فائدة .. وقد علمتني الأيام أن المتعة ليست في الاسترخاء، ولكن في العمل واستمرار العطاء الذي يفضي إلى نتيجة ناجحة، ولذا، نستشعر بالرضا والسعادة أو نسعى إليهما حينما نقدم خدمة للناس أو مساعدتهم على قضاء حاجاتهم .. أليس الوقت هو العمر؟! فتنبه .
وكلّ ما أتمناه من ربّي هو أن أكمل سنين عمري وأنا أمارس العمل والعطاء الذي اخترته لنفسي، وأن يرزقني الثواب من عنده عز وجل .. وما أتمناه من ربّي هو أن أموت وأنا أمارس العمل والعطاء الذي اخترته لنفسي هذه السنين، وأن يرزقني الله الثواب من عنده .. فما أتمناه هو أن لا يأتي اليوم الذي يؤكد لي الأطباء مرضي وضعفي وأضطر إلى التوقف عن ممارسة العمل الذي اخترته لنفسي .. أنها حقيقة مرة وقاسية تقف لي بالمرصاد وتجعلني عاجزًا عن العمل والعطاء .
وختامًا ،،، الحياة ميدان عمل لا تنتهي من مشرق العمر إلى مغربه، نحس بجمالها وقيمتها، ونتعلم منها ونتعظ بدروسها الصالحات ونحيا كل يوم حياة جديدة مستمدين من هذه الفلسفة الرائعة إيمانًا بأنفسنا وقوة على أن نحتمل فيها المكاره ونصمد أمام النائبات . من وصايا الإمام الحسن بن علي عليه السلام: « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا » الميلاني: قادتنا كيف نعرفهم: ج ٥، ص٣٢٦.
نبكي ونذرف الدمع السخين على أهلنا وأحبتنا وأبناء مجتمعنا كانوا بيننا وأمام أعيننا وفجأة وفي غمضة عين غادرونا، اللهم أرحمهم وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
_________
-- مائة عامًا قضاها الرجل في العمل دون أن يشعر بالتعب والكسل ولم يصاب بعلل تعيقه عن ممارسة العمل الذي اختاره لنفسه، طوال سنين عمره ظل الرجل محتفظًا بقوته وذاكرته .. هؤلاء الأشخاص ملكوا مفاتيح الحياة !!
محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ .

تعليقات
إرسال تعليق