#خاطرة_الجمعة « التديّن .. سلوك يستعمل للخير والشر !! »

 


#خاطرة_الجمعة « التديّن .. سلوك يستعمل للخير والشر !! »
 

هل جرّبت في يوم من الأيام، أن تنصب مصيدتك لطير أحببت أن تصطاده، حبًّا في لحمه أو اشتياقًا لتغريده ؟ فلو أنك أردت أن تجرب ذلك، ماذا تفعل؟ لا شك أنك تبحث عن طعم مغري للطائر لكي يميل إلى مصيدتك .. وكما في حالة الطائر، كذلك في البشر فمن السهل جدًا أن تستميل قلوبهم، بحكم ميلهم الطبيعي إلى الدوافع النبيلة والقيم الأصيلة والأخلاق الفاضلة، هكذا نتعامل مع عباد الله على أساس الدين والأخلاق !! نحن نعيش تناقضًا بين الممارسة الحياتية والآراء التي نصرح بها، جزء من المشكلة يعود إلى ما يشهده هذا العصر من تباين أو ازدواجية في القول والعمل . واقعنا يعجُّ بالازدواجية والتناقض الذي ينهش الثقة من ضمائر الناس وعقولهم ويسلبهم الإحساس بالحياة الطيبة .. نعم، هناك من يرائي بالتُّقى والله من ورائه عليم .. وهناك من يتحدث بالصلاح، والله به خبير ..وهناك من ينتقد المماطلة والتسويف وهو علامة من علامات فقدان الثقة .. وفقدان الثقة معناه عدم الاهتمام بما يقوله هؤلاء باسم الدين .

شعرت بعدم الارتياح وأنا أكتب هذه الخاطرة التي بالتأكيد ليست حديثًا عن الكل، فالكثير ممن نعرفهم في مجتمعنا هم أناس طيبون مؤمنون أصحاب عمل صالح وتقوى، لكن ليس كل أفراد المجتمع لهم نفس السلوك والإلتزام والرغبة في عمل الخير والصلاح، فهناك صنف من الناس يُظهِرُ خلافَ ما يُبطِنُ، فيتشبه بالصالحين الناصحين الملتزمين، بينما حقيقته من الطالحين المفسدين، ويحاول إخفاء شخصيته الحقيقية بقناع المكر والتزييف، يُحِيكَ لك مؤامرة يضفي عليها طابع الدين، وينصب لك فخًا عليه مظاهر الطاعة والعبادة، وحسبنا ألمًا ما وصل إليه أولئك من مزلق خطير طال مختلف جوانب حياتهم الدنيوية ومستقبلهم الأخروي بالحسرة والشقاء.   

يفترض في الإنسان حين يكون متديِّنًا، أن تفيض مشاعره بالمحبة والإحترام ويكسب ثقة لمن حوله من الناس، وأن تظهر على سلوكه وممارساته نزعة الثقة والأمانة في علاقاته مع المحيطين به؛ ذلك لأن التدّيّن يعني استهداف رضا الله سبحانه وتعالى، فالمتدين هو من يريد الحصول على رضاه عزّ أسمه . ما نراه في الواقع يحكي شيئًا مخالفًا في كثير من الأحيان لهذه التعاليم الدينيّة . دعونا نتوقف وقفة مصارحة أو مكاشفة مع أنفسنا اليوم ونقول - ولا نريد أن نعمم على الكل - ولكن هناك الكثير من الفئات والنماذج في مجتمعنا .. هم ملتزمون بالكثير من العبادات الربانية بينهم وبين الله عز وجل .. ولكن هم غير ملتزمين أبدًا بأدنى أبجديات الأخلاق في تعاملهم مع الناس، فبعض الملتزمين غالبًا ما تظهر عليهم نزعة الورع والصلاح بغية استثمارها في أمور دنيوية لا دينية، بحثًا عن منصب أو مال أو مصالح دنيوية أخرى لا ترضي الخالق سبحانه وتعالى .

من الخدع الكبيرة التي خدع بها المسلمون في عصرنا الراهن هي خدعة التديّن. والواقع لا يوجد في الإسلام شيء أسمه تديّن .. لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، ما ورد في القرآن وما طُلب من الإنسان هما: الإيمان والعمل الصالح؛ وكلاهما لا علاقة لهما بالتديّن، لقد دفعنا الثمن غاليًا جراء فهمنا الخاطىء للتديّن .. التديّن هو ثوب يلبسه الإنسان كمظهر يخفي تحته شخصيته الحقيقية، فربما يأتي إنسان سارق أو ظالم يلبس لباس الدين ( لحية - سبحة - زيارة - يصلي في المسجد ..) ويتفنن في استخدام الأساليب والوسائل الماكرة الخادعة، وبهذه الظواهر يصبح بعيدًا عن الشكوك كونه متديّن !! نعم لكونه متديّن غضينا النظر عن مسآلته ومحاسبته . الإيمان أمر قلبي ليس له علاقة بالمظهر. النبي صلى الله عليه وآله يشير إلى هذا المعنى بقوله:« رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبر قسمه» لأنه مؤمن . ربما يأتي شخص عمامته كبيرة ولحيته إلى صدره ؛ لكن كلمته لا تتجاوز الأذان . عند تقييم الناس نقول: هذا مؤمن، وهذا غير مؤمن، ولا نقول: هذا متديّن، وهذا غير متديّن . إذن، القرآن ذكر الإيمان والعمل الصالح .. والعمل الصالح مبدأ إنساني عام وليس له علاقة بالعبادات، فكل عمل خير يعمله الإنسان هو عمل صالح، ربما يعمله المؤمن، وربما يعمله غير المؤمن .

بعض الناس أصبح لديهم أشبه بالصدمة « إنه فلان الذي أعرفه متديّن، يصلي صلاة الليل، وسنويًا يذهب للحج وكذا بقية العبادات، معقول يمارس المكر والحيلة لسرقة أموال الناس، نعم ممكن أن يكون ذاك !! لأنه كان متديّنًا وليس مؤمنًا، التديّن خدعة » . 

إذن، المقياس الوحيد لمعرفة الشخص في هذا الزمن هو العمل الصالح في قبول الشخص وعدم قبوله .. نعم عمله الصالح؛ لأن إيمانه غير ظاهر ولا نستطيع تقييمه على أساس الإيمان، فلا يبقى لدينا إلا عمله الصالح، وهذا المقياس من رسول الله والإمام الصادق صلوات الله عليهم أجمعين: « لا تنظروا إلى كثرة صلاة الرجل وإلى صيامه وإلى طنطنته بالليل فإنها عادة اعتادها ولو تركها استوحش، ولكن اختبروه عند صدق الحديث وأداء الأمانة » الكافي ٢/١٠٤/٢ . أنظروا إلى سلوكه في المجتمع .. أنظروا إلى عمله الصالح .. على هذا الأساس قيّمه، إذا قيّمنا الناس على هذا الأساس سنعرف شخصيتهم الحقيقية، نقول أن هذا الإنسان مؤمن صالح، وهذا إنسان غير مؤمن لانثق به . وهذا ما يحدث في مجتمعنا، بعض الناس يستلف ولا يرد الدَّين، وتراه يحج ويزور كل عام ويصلي في أول الصفوف، ولديه مجلس حسيني ومضيف وغيرها، وبالتالي لا أحد يشك في إيمانه .. خيرًا لهؤلاء الرجال أن يزكوا الأموال التي سرقوها !! 

ومن هنا يَتَبَيَّنُ أن العمل الصالح والتقوى هما مقياس القرب إلى الله تعالى والبعد عنه سبحانه، وإن إطلاق لفظ " التديّن" مجرد ثوب يلبسه الإنسان كمظهر .

وأخيرًا . كل شخص يستعمل دينه وسيلة لسرقة الناس هو مجرم، هذا النمط - للأسف الشديد - موجود في مجتمعنا، ممن يجعل دينه دكانًا يصطاد به عباد الله .

-- أسأله سبحانه و تعالى أن يشافي مرضاكم ومرضى المؤمنين والمؤمنات، ويرحم موتاكم وموتى المؤمنين والمؤمنات، وأن يقضي حوائج الجميع بمحمد وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين  .

 طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد . 

_________

--إن المؤمنين يأنسون بهذه الأشهر المباركة، لأنها أفضل فرصة لهم للقاء الله ولمناجاته، ولحطّ الدنوب، ولتجاوز العيوب، وللقرب من الله سبحانه وتعالى، وللفوز برضاه وجنته. في هذه الليلة المباركة ليلة الرغائب من أيام الله يرغب بها العبد إلى الله عز وجل ويطلب منه، ويُلح في طلبه، والطلب من الله من غير يأسٍ من بطء الإجابة، ولا ملل من الدعاء، وكيف ييأسُ من داق حلاوة الدعاء؟ فما استمراره في هذا التوفيق العظيم إلا إجابة. يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: { إنَّ الله يُحِبُّ الملحِّين بالدعاء }.

محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ  .

تعليقات