#خاطرة_الجمعة « حياة الناس وتحولات المجتمع »
في هذا الزمن العجيب يجب أن نتوقع ما هو غير متوقع !! بعض التصرفات الغريبة قد تكون مقبولة تحت عناوين مختلفة، ولكنها غير مقبولة شرعًا. نحن نمارس حياتنا الاجتماعية بعفوية واسترسال وخضوع للواقع المعاش، دون التفات إلى ما قد ينطوي عليه هذا الواقع من انتهاكات لحقوق الآخرين وتجاهل لكرامتهم، هذا يعني إننا نمارس سلوكيات تتجسّد في التهاون وعدم المبالاة تجاه الآخرين . في صِلاتنا بين الأفراد، نحن بحاجة إلى معرفة الضوابط والحدود التي توثق علاقتنا الشخصية وروابطنا الاجتماعية، لكي لا يترتب على ذلك إيذاء الآخرين . معرفتنا كيف نتعامل مع الأفراد في حياتنا العملية والخاصة، الهدف منه احترام الآخر، هنا لا بد من وقفة؛ لإيضاح الضوابط والحدود الشرعية والأخلاقية، دعوني بعد قراءة هذه المقدمة أصور لكم ما يصادفني من غرائب .. نعم غرائب ناتجة من نواتج العصر، طالت أمور حياتنا . هذه نماذج حية يشكو من نتائجها أكثر الناس :
النموذج الأول: كل صورة تلتقط في مكان خاص أو عام لابد أن تحمل معنى أو تترك أثرًا إيجابيًا أو سلبيًا في نفس كلا الطرفين، للمصور والمتلقي .. وبشكل عام، ظاهرة التقاط الصور في المناسبات الاجتماعية تعتبر ظاهرة إيجابية لكن .. لكن لها ضوابطها وحدودها الأخلاقية والإنسانية، في زمننا المعاصر أتخذت بعدًا جديدًا، فبعد أن كان فن التصوير الفوتوغرافي مهنة أو هواية جميلة يمارسها بعض الناس، اليوم أصبح التصوير في متناول الجميع . وبعد أن كانت الصورة في السابق تشكل قيمة نادرة تحفظ في ألبوم صور للأجيال القادمة، اليوم الصورة فقدت قيمتها بفعل الأجهزة الذكية والتقنية الحديثة، رغم كل ذلك لا زالت الصورة تلعب دورًا حيويًا في توثيق الصلات بين الأفراد، فهي تشكل جمال العواطف وقوة التأثير في النفس، ولا غنى عنها باعتبارها تساهم مساهمة فعالة في الأنشطة الحياتية المختلفة، ومرافقة للكلمة المكتوبة ولكن .. اليوم تحولت الصورة إلى ظاهرة سلبية تمس حياتنا بتفاصيلها، تعيش معنا، ودرجنا على تصوير أنفسنا وتسجيل يومياتنا حتى في غرف نومنا، ولم تعد لنا خصوصيات في بيوتنا، لقد تغيَّر كل شيء .. وفي المناسبات الاجتماعية البعض نقل إلينا مشاهد غير مألوفة، وغير مستحبة .. وفيها تعدي على الخصوصية الشخصية .. نعم البعض يبحث عن مشاهد مثيرة، تترك مساحة واسعة للتعليقات والتفاعل والدردشة عبر قنوات التواصل، وغالبًا ما يتأثر بذلك صاحب المحتوى، وقد تزرع خلاف أو بذور الكراهية !!
النموذج الثاني: إن البعض منا عندما يأتيه خبر حزين أول ما يفكر فيه كيف يمكن أن يستثمر هذا في وسائل التواصل الإجتماعي، حتى لما يمرض .. لما يموت أحد أقاربه ما يفكر كيف يتعامل مع اللحظات المؤلمة في حياته .. إنما يفكر فقط كيف يستثمر هذا الخبر أو ذاك في وسائل التواصل الإجتماعي، لزيادة المتابعين وغير ذلك . فماذا حصل؟ حصل لدينا مفاهيم وحقائق مغلوطة بأنه لا بد أن نستثمر كل ما حولنا .. حتى في الضيافة والمناسبات وفي التعامل مع الناس . اليوم الرجل يدعو شخصًا أو أكثر لعشاء أو أي شيء من هذا القبيل، هذا الرجل لا يدعو هذا أو ذاك لسواد عينيه، إذن لماذ ؟! كي يلتقط صورة معه وينزلها في السناب أو في غيره، ويقول لك : " والله اليوم زارني فلان صاحب المنصب الفلاني .. زارني المشهور الفلاني .. زارني الفنان الفلاني .. أي أي شخص آخر، لماذا ؟ لأنه يريد أن يسلّع ضيفه .. نعم صار يتعامل مع الأشخاص باعتبارهم سلعة، ولا تستغرب أن ترى المشاكسات اليومية بين الأفراد والأسر والجماعات بالصوت والصورة دون مراعاة الخصوصية . هذه من مفارقات البشر التي لا يُعرف لها سر !!
النموذج الثالث: بعض الناس حين يلتقط صورة، همه الوحيد هو الإسراع في نشرها عبر قنوات التواصل .. يظن ذلك التصرف من حقه، فهل حصلت على موافقة مسبقة أو علم بذلك، وسُمِح لك بنشرها ؟! قد لا يتقبلها الآخر أو ينبذها أو تسبب له أذى أو خسارة . لا يجوز لأي إنسان أخذ صورة أو مقطع فيديو خارج المالوف قبل أن يحصل على إذن مسبق من الشخص نفسه، كما لا يجوز نشرها عبر قنوات التواصل الإجتماعي وهو يشعر بأن يلقى هذا التصرف بالرفض، بعض الأشخاص يلتقط صورة لشخص آخر في غفلة ويرسلها للشخص نفسه، ثم بعد ذلك ينشرها عبر قنوات التواصل الإجتماعي من أجل الضحك والسخرية وما شابه ذلك، وهذا فيه تجاوز على خصوصيات الآخرين وإهدار حرمتهم . إن استباحة خصوصيات الناس من خلال التفاخر بتصوير مشاهد لها مدلولاتها الواضحة وتحاكي واقع سيىء وبثها للرأي العام، تحت شعارات واهية، هو خلاف تعاليم الدين والقيم والأخلاق، أقول بلا مجاملة هناك ست حالات لا تلتقط لها صور إلا بإذن من في الصورة أو من ينوب عنهم وهي: المريض على سريره - والفقير في حاجته - والحاج أو الزائر للأماكن المقدسة - والمتوفي في جميع حالاته - وجرحى الحوادث - والضيف على مائدتك .
النموذج الرابع: الإنسان عادة عندما يصله أي خبر، يتفاعل معه، فإذا كان حزينًا حزن معه، وإذا كان فرحًا فرح معه، وإذا كان منزعجًا انزعج معه، وهكذا في السراء والضراء، وكذلك الأمر بالنسبة لمشاعر الفرح والأنس .. فعادة يفرح ويستأنس ويبشر أهله وأقاربه وتنتهي القضية !! اليوم لا .. إذا عندك خبر مفرح لازم تنزله على وسائل التواصل الاجتماعي وتنتظر أن يتفاعل معك الناس ايجابيًا، وأن يفرحوا بفرحك، وإذا لم يحصل هذا، يتحول الخبر المفرح إلى كآبة وبؤس وكدر، وما النتيجة ؟! بدل أن يكون الخبر المفرح مدعاة للبهجة والسرور والسعادة داخليًا، صار خارجيًا .. نعم صرت تنتظر السعادة تأتي من الخارج .
قبلًا، كنت أنت مصدر السعادة لنفسك، إذا أنت فرحت في الخبر .. فرحت بهذا الحدث .. فرحت بهذا الإنجاز .. تفرح وتنتهي القضية، لا يتوقف فرحك على فرح الآخرين، اليوم لا .. لازم يفرح الآخرون معك، أنزلها في منصة X أو في سناب أو الواتس أب أو فيسبوك وغيرها من شبكات التواصل الإجتماعي، وإذا ما تفاعل الناس معك أو هاجموك أو أي شيء من هذا القبيل، تحول الخبر المفرح إلى مصدر بؤس وتعاسة، هنا مشكلة كبيرة، الإنسان الواعي أصلًا هو الذي يسعى دائمًا لأن تكون السعادة مصدرها داخليًا، متى ما صارت السعادة مصدرها خارجيًا ستعيش حالة من البؤس . الخارج أنت لا تتحكم فيه، لكن داخليًا أنت تتحكم بنفسك، أي خبر محزن ممكن أن تحوله إلى شيء مفرح عبر التعامل مع ذاتك ونفسك، لكن إذا كان الأمر يتعلق بإرادة الآخرين كيف يمكن أن تصنع سعادتك ؟! .
اَللَّهُمَّ صَلِّ علىٰ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ، اَللَّهُمَّ بحق قدسية يوم الجمعة، ليلتها غرّاء ويومها يوم أزهر نسأله من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار، وصحة الأبدان، وسعة الرزق، والرحمة والغفران لموتانا وموتى المؤمنين إلى جنات الخلد والنعيم مع الطيبين الأطهار .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
_________
-- نقول أن التعمد بإلحاق الضرر بالآخرين جريمة نكراء لا يرتضيها ديننا الحنيف وتمقتها المبادىء والأخلاق الفاضلة، نضع مخافة الله أمامنا في كل تصرف نقوم به .
محبكم/ منصور الصلبوخ.

تعليقات
إرسال تعليق