#خاطرة_الجمعة « سوء تفسير الكلام بين الناس ! »
وجد علماء السلوك أن الإنسان يمتلك القوة لتغيير أسلوب تعبيره على الفور، وذلك عن طريق انتقاء الكلمات التي يستخدمها في تعامله مع الناس، مما يوجد جوًا من المحبة والإحترام بينهم . اسلوب الكلام أو الحديث الذي يجري في الحياة بين الناس كنشاط نطقي في العلاقات فيما بينهم، هو تخاطب أو تحاور، وهذا يعني أن التعبير ثنائي المنبت بمعنى أن كل متكلم هو أيضًا في الوقت نفسه مخاطب، فالكلام مخاطبة وتوجه، إضغاء لنطق ونطق، إنها علاقة ظواهرها مرتبطة بالتصرف السلوكي، والانفعالات الوجدانية الخاصة بالإنسان . ففي أحاديث الناس تتجلى سماتهم، وطبائعهم، وأفكارهم ويكشفون أحيانًا عن جزء من نواياهم . والناس حين يتحدثون فيما بينهم لا يضعون مخططًا محددًا يضبط كلماتهم، وعباراتهم، ومواضيعهم، فقد يُدخلون أنفسهم في مسائل أخرى .. ولا يعفوا من خطأ قد يقعون فيه .
ما نراه كثيرًا تأزم العلاقات بين الأفراد بسبب كلمات أو أحاديث تتسم بالسلبية، وقد تكون دون وعي، وقد تقودهم إلى تصرفات غير محمودة . ظاهرة تستحق الكثير من التأمل مرتبطة بالمتغيرات الحضارية التي حدثت في هذا العصر، تحت وطأة الضغوط النفسية والاجتماعية أثرت في سلوك الأفراد ودفعتهم إلى التخبط في مواجهة الكثير من أمور الحياة .
يختلف الناس في تفسير بعض الكلمات والعبارات التي يجب أن تقال في الوقت المناسب، فقد يقول المتكلّم كلامًا يرى أنه عادي ولطيف، بينما يفسر المتلقي كلامه على أنه مهين أو مثير للقلق !!
هناك مشكلة دائمة ترتبط بإدراك المعنى بين المتكلّم والمتلقّي، وهي تعود إلى واحد من اثنين: إما قصور في تعبير المتكلّم وإما قصور في فهم المتلقّي، وفي كلا الحالتين، يتطلب من المتكلّم جهدًا في اختيار الكلمة وصياغتها، مثلما يتطلب من المتلقّي جهدًا في فهم ما بين السطور إذا لم يع ظاهرها، وعلى الطرفين الإلتزام بآداب وضوابط الكلام .
تعد الكلمات أو الألفاظ التي لا يفهم معناها من المشكلات السلوكية التي يقع فيها الكثير من الناس، فالبعض يفسرها بأنها زلات لسان يتورط الشخص بذكرها دون قصد، وقد تسبب له الكثير من الحرج، بينما البعض الآخر يعتبرها كلمات جارحة فيها من المهانة والاحتقار والاستهزاء، ولا سيما إذا كانت الكلمات تمس كرامة الشخص ومحاولة إسقاطه أمام نظر ومسامع أناس آخرين . فاللسان إن لم تسجنه سجنك عن الانطلاق نحو ساحات النور والقرب الإلهي ولو بكلمة واحدة أو جملة فيها إساءة لواحد من الناس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن الباري تعالى أنه قال: « يا بن آدم إن نازعك لسانك في ما حرّمت عليك فقد أعنتك بطبقتين فأطبق » .
اختيار الكلمة، أو انتقائية المفردة، يعطي صورة عن شخصية المتحدث. والسؤال هنا: ما الذي يستفز المتلق؟ الإنسان بطبعه يتحسّس أهمية وقيمة ذاته أو كيانه أو شخصيته بين الناس، فلا يقبل أن يستفز أو تمس كرامته، وحين يتأثر باستفزازات الآخرين، ويحس بالدونية والضعة تظهر عليه علامات الصراع والتوتر .. وقد تأخذ مواقف انفعالية أو منحى آخر في معالجتها .
هناك أشخاص يطلقون أحكامًا غير صحيحة نتيجة ما يحملونه من أفكار سلبية تجاه أشخاص آخرين، أفكار تدور في خلّدهم، وتبنى عليها أمور ومواقف عدائية، لمجرد أن كل ما يراه في هذا الشخص أو ذاك خطأ، وهو ليس كذلك، حكمه الذي اتخذه نتيجة رؤيته وتفكيره، فعلى الشخص أن يتروى في إصدار حكمه على الأمور وعلى المواقف وعلى الناس من حوله، فقد يظلم بحكمه، ويجور ويتجاوز الحدود لمجرد أن فكرة معينة تساوره وتدعوه لذلك الظلم والتجني، وهو يعتقد أن حكمه صحيح وأن اعتقاده في محله .
معنى الحياة وسرها، أن تعرف كيف تسيطر على المواقف في كل الظروف وأن تتحكم في أعصابك، فقد تتعرض لـ كلمات تضطر إلى أن تتحملها وتسايرها .. وكلمات قد تستفزك وتجرح مشاعرك .. وكلمات قد تحطم وتهشم دون أن تذرك .. نحن بحاجة إلى الكلمة الصادقة، والنظرة المتوازنة، لكي نبني عليها حياتنا .. نعم نحن في أمس الحاجة إلى أقصر الطرق لنفهم أو نتجاوز حاجز سوء الفهم التي تؤثر سلبًا على علاقاتنا الشخصية وروابطنا الاجتماعية .
يكون من أصعب الأمور على الإنسان أن يعرف شخصية إنسان آخر، وأن يحدد أبعادها دون أن يتكلم .. ولكن حين ما يتكلم تظهر كل مقومات الشخصية، شأن اللؤلؤة المكنونة إن هي ظلت في قلب المحار، وما الكلام سوى الناقد الذي يطل الناس منها ليروا ما تحتويه نفس الإنسان وشخصيته .
ونتساءل عن أفضل الكلام: هو ما كان قليله يغني عن كثيره، ومعناه ظاهرًا في لفظه، واسوأ الكلام هو الكلام المعقد الذي لا يفهم معناه، بل ويكاد يراها السامع صورة سريانية لا معنى لها .
وأخيرًا ، كلمات تتفوه بها قد تسقطك من أعين الناس .. وكلمات تبني عليها فكرًا وسلوكًا لشخصيتك أمام الناس .. وكلمات غير مسؤولة خرجت من فمك سلبتك الإحترام .. وكلمات مرآة تعكس ما في نفسك دون الحاجة إلى قصص وحكايات .. نعم كلمات تتفوه بها بحسن نية أو بسوء نية .. بفهم أو بعدم فهم .. بوعي أو دون وعي .. بحساب أو بلا حساب .. هي في الواقع مرآة تعرفك من أنت !!
[ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ، وَارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً، وَاجْزِهِمَا بِالإِحْسَانِ إِحْسَاناً، وَبِالسَّيِّئَاتِ غُفْرَاناً، اللهُمَّ اغْفِرْ للمُؤمنينَ والمُؤمناتِ الأحَياءِ مِنهُم والأمّواتْ، وَتَابِعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِالْخَيْرَاتِ ..]
~ طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد ~
_________
-- لقد منح الله عز وجل الإنسان القدرة على الكلام أو التعبير، واقترنت تلك القدرة في تصور علماء النفس بظاهرتين هما: الدوافع، والحاجات، إن هذين المبدأين الدافع والحاجة يقرهما التصور الإسلامي، ولكن في نطاق محدد ضمن شروط خاصة، غير أن الإنسان استثمر هذه القدرة بطريقته، على نحو إيذاء الآخرين وهو المظهر الأشد بروزًا لكل سلوك لفظي من نحو التجريح، والإهانة والسخرية .. كل ذلك يظلّ مشكلة غالبية السلوك الذي يمارسه الإنسان .
محبكم/ منصور الصلبوخ .

تعليقات
إرسال تعليق