قرع الأفكار بالأفكار الأخرى شبيه بقرع الطبول التي تعطي أصواتًا مرتفعة عندما تُقرع، كذلك الأفكار عندما تُقرع بعضها ببعض تأتي بمثابة الـصوت الـفكري لأفكار ناضجة. وحتى تتكوّن فكرة ناضجة لا بدّ من نقد الأفكار لا الأشخاص.
النقد في كل المجالات أمر نافع، لأنه يُصلح ما غاب عن أي شخص طرح فكرة علمية أو ثقافية أو غير ذلـك. لـكن لـلـنقد أسالـيب متنوعة تأتي بناءً علـى ما يحمله الناقد تجاه الفكرة المطروحة؛ فتارة يكون قصد الناقد التسقيط، وهنا يدخل في شخصنة الـفكرة، بحيث يتحوّل نقده إلـى تسقيط صاحب الـفكرة ولـيس الـفكرة بعينها. لأن نقد الـفكرة لا بد أن يكون بالنظر إليها من جميع جوانبها وتحليلها بشكل جيد بعيدًا عن صاحبها، وهذا النوع من النقد يُطلق عليه في الأعم الأغلب «النقد الهدّام » . ومع الأسف، هـناك من يظن أن هذا الـنوع من الـنقد هـو جرأة في إبداء الـرأي، فإذا عُوتب عليه، قابل ذلـك باتهام الآخرين بأنهم لا يقبلون الاختلاف أو يخشون الـنقد، مع أن الـنقد الحقيقي يختلف تمامًا عن التجريح والتسقيط.
إلا أن «النقد الـبنّاء» الـذي يُحلّل الفكرة ويقارعها بفكرة مضادة بعيدة عن الشخص المنتقد. لذلك للنقد أسلوب معين، كضرورة الابتعاد عن تجزئة الفكرة، مثال على ذلك: يقول كذا، ونقول كذا. كذلك يجب تجنّب التجريح والاستهانة بصاحب الفكرة كالاتهام بالجهل أو السفه، إنما على الناقد أن يُعاين الفكرة ويطرح فكرته المضادة حتى دون ذكر صاحب الفكرة، وعلى الناس أن تختار ما تقتنع به. مع الأسف، لا زال النقد في مجتمعاتنا العربية غير مفهوم، أو بمعنى آخر غير ناضج، لذلك تجد المنتقد يخيم عليه الحزن ويرى نفسه فاشلًا، مع أنه اجتهد في تكوين فكرته. نتيجة ذلك أن الناقد عندما ينتقد يعتبر نفسه داخل حلبة مصارعة، يا غالب يا مغلوب، مع أن الأمر مختلف جدًا؛ فالنقد لابد أن يكون مفيدًا ومريحًا لكلا الناقد والمنتقد، هكذا تُبنى الأفكار وتنشط متجاوزة كل المعوقات. إنما بُنيت الحضارات، وتربّع العلم على أركانه الـراسخة، وأُقيمت دور العلم والجامعات؛ ولم يأتِ ذلك إلا نتيجة النقد المحترم البعيد عن الشخصنة والتسقيط. لـذلـك، لا بدّ من الـتدريب المهني والـذاتي علـى ممارسة الـنقد الـسلـيم، حتى تتكوّن لدينا آراء متعددة، متباينة أحيانًا، لكنها ناضجة في عمقها وفهمها.

تعليقات
إرسال تعليق