#خاطرة_الجمعة « المسكنات والمضادات .. مخاطر ومحاذير ..! »
عندما يشتد الألم على أي شخص يسارع إلى تعاطي مسكنات الألم التي تباع في الصيدليات دون وصفة طبية، فأجسامنا عُرضة لمطارق الألم التي قد توجّه سهامها نحونا في أية لحظة . لا يخفى على أحد ما وصلنا إليه من الوعي الطبي إلى درجة جعلتنا نعرف قائمة طويلة من المستحضرات الطبية بأنواعها واسمائها المختلفة كــ المضادات الحيوية ومسكنات الألم وأدوية الضغط والسكري والربو وغيرها، .. لكن الخطر يكمن من تعاطي تلك المستحضرات الدوائية بشكل عشوائي وغير مسؤول ودون وصفة طبية، وبخاصة المضادات الحيوية والأدوية المسكنة التي يتم الاعتماد عليها أكثر فأكثر .. استخدام تلك المستحضرات الدوائية بصورة مستمرة، وبكميات كبيرة لفترات طويلة، يترتب عليها تأثيرات مدمرة على وظائف بيولوجية؛ لا سيَّما على الكبد والكلى، فمعظم حالات فشل الكبد والكلى الحاد تكون ناتجة عن تناول جرعات يومية من الدواء، وقد لا تظهر خطورتها إلا بعد سنين .. وهنا لا بد من التوقف أمام ذلك التعاطي الخطير الذي ترك بمرور السنوات جسدًا أتعبه العبث به.
نستطيع أن نردِّد المقولة الشهيرة: « الوقاية خيرٌ من العلاج » وهو الأسلوب الوقائي الذي يعتمد على تفعيل مقاومة الجسد الذاتية والتي ستمكن معظم الناس من أن يحيوا حياة طبيعية صحية دونما مرض بإذن الله . وقبل أن نلج إلى صلب الموضوع ألا وهو تزايد حالات مرضى الفشل الكلوي في مجتمعنا بشكل غير مسبوق، أحد أخطر الإشكاليات التي ابتلينا بها في العصر الحديث، كون التمادي في تعاطي المضادات الحيوية والأدوية المسكنة لها عواقب كارثية على المريض . رأينا أنه من الضروري التعريف بالكلى وأهميتها وأمراضها وأسباب تلك الأمراض وطرق الوقاية منها .. الكلى من الأعضاء الحيوية والمهمة للغاية في الجسم؛ حيث تساهم في أداء الجسم لوظيفته بشكل جيد. والكلى من ضمن الجهاز البولي في الجسم، وتعمل على تنقية الدم والتخلص من فضلات الجسم بواسطة البول. وهناك عدة عوامل من شأنها أن تعمل على تعطيل وظائف الكلى أو حتى أن تسبب لها المرض. منها الأمراض المزمنة مثل داء السكري وارتفاع ضغط الدم الشرياني، أو حتى بسبب الجفاف أو التهابات المسالك البولية عندما لا يتم علاجها ولكن .. ولكن في السنوات الأخيرة لاحظنا تزايد أعداد مرضى الفشل الكلوي، ولك أن تسأل طبيب كلى وتقول له: يا دكتور معظم الذين يخضعون للغسيل الكلوي أو نصفهم، ما السبب في ذلك ؟ سيقول لك: كثرة المسكنات وكثرة المضادات الحيوية والتي تصرف بدون ضرورة .. البعض يستخدمها من تلقاء نفسه، نعم السبب الأساسي هي كثرة تناول الأدوية المسكنة والمزيلة للألم، بالرغم من لجوء غالبية المرضى إلى المسكنات، تؤكد الدراسات أن الاستخدام المنتظم والطويل الأمد لها يضر كثيرًا على المدى البعيد، ويؤثِّر على الصحة سلبًا . يقول سيمور داياموند، مؤسس عيادة " داياموند لآلام الرأس في شيكاغو، والرئيس التنفيذي للمؤسسة الوطنية لآلام الرأس: « أعتقد أن الاستخدام المفرط للمسكنات يخفض من مستوى السيروتونين وهي مادة كيميائية في الدماغ . ومن شأن هذا أن يحدث تغييرًا بشأن الكيفية التي يشعر بها الشخص بالألم » فالاستخدام المفرط للمسكنات يبدو أنه يخفض من قدرة الشخص على تحمل الحد الأدنى من الألم، ولذا يبدأ هؤلاء الأشخاص بالحاجة للمسكنات كي يشعروا بأنهم طبيعيون . لكن الواقع ليس لهذه المسكنات أية فوائد دائمة، بل هي وقتية، تناول جرعات كبيرة من مسكنات الألم ولفترة طويلة، يؤثر على الدم، ويؤدي ذلك إلى حدوث نخرًا كلويًا . معظم الناس يعتقدون أن وصف أي دواء من طبيب متخصص يمكن أن يمنح الصحة، وأن تأثير الدواء السلبي لا يخرج عن كونه رد فعل طبيعي مؤكدين من قدرة الدواء على تحسين الصحة وتخفيف الآلام وأحيانًا الشفاء، لكن الحقيقة أن هناك تخوف لدى بعض المرضى من الأطباء وعلاجاتهم مفاده أن أي مراجع عيادة لابد أن يخرج بكيس مملوء بالأدوية، حيث معيار الشفاء لدى الأطباء بكل بساطة زوال العوارض السريرية؛ كومة الأدوية التي تعطى للمريض تؤثر بالفعل في إحداث قصور في وظائف أجهزة الجسم الداخلية بسبب الأثر الكيميائي التراكمي للدواء، يفضي إلى إضعاف جهاز المناعة، مما يجعل الجسم مرتعًا خصبًا لكثير من الأمراض .. نعم ليس من المفروض تجنب الدواء بشكل مطلق كوننا نعيش في عالم الأمراض المستعصية، وحاجتنا إلى الدواء لمنع أو تفادي خطر الوقوع في مستنقع الأمراض .. لكن أيضًا لا أحد يمتلك المناعة التامة ضد الإصابة بأي علة، فمن المستحيل أن نعيش حياة تخلو من الآلام والمنغصات، يمكن للطبيب أن يعدل فيه عن الدواء إلا في حالات قليلة. الإكثار منها يعرض الجسم لمضاعفات نتيجة ارتفاع تركيزها إلى مستوى قد لا يستطيع الجسم تحملها أو التخلص منها، مسببة مخاطر صحية على الكبد والكلية وصولاً إلى تشنجات وجلطات وانتهاءً بأزمات قلبية مؤديًا للوفاة .
ما نستطيع فعله حاليًا لتجنب المضاعفات الجانبية هو أن تكون أنت المسؤول عن صحتك، أنت فقط، ليس طبيبك، قد تكون هذه النصيحة بديهية، ولكنها صعبة التطبيق في الواقع، إذ إننا نرى كثيرًا من الأشخاص يتجنبون زيارة الطبيب في بداية المرض وينتظرون حتى التعرض لآلام شديدة، فيكون المريض قد وصل بمرضه إلى مرحلة تستعصي العلاج، فإذا قمت بالخطوات المناسبة للوقاية من الأمراض، تستطيع الانتقال إلى النصيحة الثانية وهي تغيير نمط الحياة إلى روتين صحي ومستمر، الهدف منه هو إبقاء جسمك في حالة صحية جيدة، حتى تتمكّن دفاعاتك الذاتية على مواجهة المرض دون الحاجة للوقوف على ابواب المشافي والمستشفيات .
واخيرًا ، لطالمنا نهش الألم المتواصل أجسامنا بطرق كثيرة ويكاد يظهر أثره المدمر في صحة معظم أجهزة الجسم التي تتجرع تبعات نوبات الألم الذي قد ترافقنا بقية العمر، وفي الوقت الذي تزداد فيه الحاجة للدواء، نضع نصب أعيننا المضاعفات الجانبية، فلا يوجد علاج آمن، من هنا تبقى الإجراءات الوقائية هي الأهم، حقائق أثبتتْها تقارير العلم الحديث، تؤكد وجود تفاعلات خفية ذات أبعاد صحية خطرة، تدور رحاها بين أغوار النفس من جهة، وأجهزة الجسم الحيوية من جهة أخرى .. لا بد أن نفتح طرقًا جديدة أكثر عقلانية وأقل هدرًا لاستعمال المضادات الحيوية والمسكنات بحيث يتم الاعتماد أكثر فأكثر على مقاومة الجسد الذاتية .
-- نسأل الله عز وجل أن يرفع عنا الأسقام بالشفاء برحمته وقدرته، وأن يتغمد من فارق الحياة من الأخيار السعداء، بوافر رحمته ويسكنهم فسيح جنانه، اللهم آمين والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد .
_________
-- الأدوية المغشوشة طبقًا لإحصاءات نشرتها هيئة الدواء الأوروبية، فإن الأدوية الأكثر غشًا تشمل المسكنات بكافة أنواعها، ثم المضادات الحيوية « المصدر: مجلة غذاء .. ودواء - العدد (1) نوفمبر 2014 م »
منصور الصلبوخ - أختصاصي تغذية وملوثات - متقاعد - الهيئة العامة للغذاء والدواء .

تعليقات
إرسال تعليق