#خاطرة_الجمعة « لِمَنْ أزَوّجُهَا ؟ »
كان الناس في قديم الزمان يرغبون في الرجل الوسيم، وفي عهد الجاهلية كانوا يؤثرون القوي الشجاع، وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يفضلون التقي الأمين ..أما في أيامنا هذه فالناس يتطلعون إلى صاحب المال والجاه ..
نحن نشاهد غرائب الزمن والدهر والأيام في هذا الزمان، فإن بعض الناس وما أكثر هذا البعض لا ينظر إلى ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله:
« إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته يخطب إليكم فزوجوه إلّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير » ميزان الحكمة، ج٣، ص١١٨١.
قضية اختيار الزوج المناسب من القضايا المهمَّة في مجتمعاتنا، فلابد من حسن الاختيار، وأن تضع الفتاة وأهلها في حسابهم سلوك الشاب من ناحية الدين والأخلاق، ثم بعد ذلك مستواه العلمي والاجتماعي والمادي ..
ومن المؤسف جدًّا ضعف الإقبال على الزواج في مجتمعنا المحلي وذلك بسبب أن الشاب المتقدم لخطبة الفتاة، قد يكون محدود الإمكانيات تجاه متطلبات الزواج وتحدياتها، كونه في بداية حياته الوظيفية، وحتى لا يصبح الزواج سببًا للضياع والانحراف، على مستوى الشخص والمجتمع، لا محل هنا إلا بالرضا بما قسم الرب. وأنه عز وجل لا يقسم غير الخير.
إن ما نعيشه من تعقيدات اجتماعية بخصوص مصاريف الزواج، ناشىء من الجهل، والعادات والتقاليد، والتفاخر والتباهي ومظاهر التنافس والتغاير الإجتماعي، فعندما نبالغ في هذه المسألة إلى الحدّ الذي يصل بالشاب والشابة إلى اتخاذ قرارات تفتت المجتمع وتشتته. وهنا نسأل: لماذا نجد العزوف عن الزواج عند الكثيرين؟ يأتي الجواب في نظرة الفتاة وتفكيرها تجاه فتى أحلامها في الإختلاف في مقوِّماته النفسية والصحية والفكرية، وفي قدرته المالية وشخصيته المتميزة وموقعه الإجتماعي، هي معايير جاذبة وتأثيرها كبير على قرار الفتاة في القبول. لكن الكثيرات يفتقدن رغبة الإقبال على هذه العلاقة العظيمة بسبب ضعف الاهتمام الديني في نفوسهن. فمن جهة نرى الفتاة الشابة التي تستعد لخوض الحياة العملية بعد تخرجها من الجامعة بروح طموحة متفائلة، لا تفكر في الزواج، لأنها ترى ممن تحب إلا ذلك الوهج الذي يحيط بفارس أحلام اسطوري. ومن جهة أخرى نرى فتاةً تميل إلى العزلة والانطواء ولا ترغب بالزواج. وفي الطرف الآخر نرى شابًا يحلم بأميرة فاتنة تنقله إلى عالم بلا مشكلات. فلن يجدها ويظل ينتظر .. وينتظر .. وأخر يريدها موظفة لتشاركه المصروفات والفواتير والهموم اليومية، فقد يجذها وسيتضح يومًا بعد يوم الاختلافات الواسعة واسعة. وهناك الشاب المنفتح، الذي لا يحب القيود الزوجية، بينما نرى شابًا يرغب في الزواج وتكوين أسرة إلا أن امكانياته لا تسمح له بذلك، هو يدرك أن مصاريف الزواج تثقل كاهله، وتسقطه في إرهاصات الديون ومخاطرها.
وسط هذا الصراع المتفاوت في الأفكار والمتغيرات التي أصبحت تعتصر قلوب الشباب والفتيات . هكذا تنظر الفتاة وينظر الشاب إلى الحياة الزوجية.
للأسف فإن الأهل يفرضون على ابنهم الزوجة التي تتوافق مع رغباتهم، فمعظم الأهالي يرغبون في تزويج أولادهم بهدف تكوين أسرة تشكل امتدادًا لهم، وبهدف آخر أحيانًا وهو الرغبة في صونهم من الزلل والخطأ .. وكثيرون أولئك الذين يبحثون عن زوجة لابنهم تكون طيّعة وسهلة الانقياد، كي يستطيعون السيطرة عليها، ما يدل على شعورهم بالملكية لولدهم، متجاهلين حاجته إلى الاستقلال في بناء أسرته الخاصة ..
وفي هذا العصر، وحيث انفتحت أمام الإنسان آفاق التقدم الفكري والمادي، وتنوعت فرص ومجالات إشباع النوازع والرغبات، أصبح معظم الأبناء، هم من يختارون فتاة أحلامهم بنفسهم، فقد وجدوا في زمالة الدراسة أو العمل وعبر قنوات التواصل الإجتماعي ملاذًا لهم للتعويض عن اختيار أهاليهم مما شكل لهم صدمة نفسية، وخصوصًا الأم التي ترغب اختيار عروسة ولدها بمعاييرها .. هذا ما يحصل عند كل أم .. لا بد أن تفهمي أيتها الأم الحنون أن الأبناء لهم مطلق الحق أن يختاروا نمط حياتهم بأنفسهم .. مثل هذا الفهم يخلصك من الوقوع في خلافات أنتِ في غنى عنها.
وأخيرًا، عرض القاضي على ابنته الأمر بعد أن تقدم لخطبتها وجهاء البلد وأصحاب الثراء، فأجابته قائلة: الأمر لك يا أبت .. وفي المساء حضرت الجماعة حسب الموعد وسألوا القاضي: ما هو جوابك لنا أيها القاضي. هل استقر رأيك على شيء؟ نعم، لقد خيرت نفسي بين المال والجاه، والنفوذ والسلطان، والأمانة والتقوى، فأخترت لابنتي الأمين التقي !!
-- اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان وأرحم من توسدت أجسادهم الأكفان، وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، بحق هذه الليلة المباركة، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين .
طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد.
_________
-- البعض يركض وراء الثراء والجاه، والبعض يبحث عن الشاب المرح صاحب الابتسامة المشرقة، وآخرون يبحثون عن الشخصية الاجتماعية المرموقة .. والقليل الذي ينظر إلى أقوال الخير من أهله كالرسول صلى الله عليه وآله والأئمة الكرام عليهم السلام فينظرون إلى التقوى والصلاح ولا يهمهم زبارج الدنيا وزينتها.
محبكم/ منصور الصلبوخ.

تعليقات
إرسال تعليق