-- في أيام عاشوراء الحسين عليه السلام يستعد خطباء المنبر الحسيني والشعراء والرواديد بصرف عقولهم وأفكارهم وجهودهم في إحياء ذكرى كربلاء، ممارسة مثل هذه الإبداعات الفكرية تحتاج إلى موهبة التمييز بين الزَّبَد الذي يذهب جفاءً، وبين ما ينفعه وينفع الناس معه !! والنفع هنا، يعني أن يقول هؤلاء المؤمنون قولًا سديدًا، لبيان ظلامة الحسين عليه السلام، وعلى كل فرد منا الإصغاء مع ما يبثُّه هؤلاء، طرحًا أم شرحًا في قضية الإمام الحسين عليه السلام والتفاعل معها بذكاء وحصافة، واستنكار كل ما يخالف منهج الحسين وقضيته الاستثنائية التي هزت ضمائر الإنسانية، فقضية الحسين عليه السلام هي قضية أمة .. قضية دين يكاد أن يحرف عن مساره المستقيم . هنا نتساءل عن تعدد المنابر والطروحات المشبوهة التي تمارس باسم الحسين عليه السلام، فلا ندري من نصدق ولمن نصغي !! فبعض الخطباء والشعراء والرواديد يغالون في القضية الحسينية كوسيلة مهيجة لعواطف ومشاعر الحزن والدموع والبكاء، والبعض الآخر يشكك في بعض ما يطرح على المنبر الحسيني، وكلا الطرحين لا يخدم الهدف الذي سعى إليه الإمام الحسين سلام الله عليه .
-- هناك تنوع في حضور المجالس الحسينية، من جميع الفئات العمرية وعموم المجتمع بما فيهم الشيخ والعالم والمثقف والواعي والوجيه والبسيط .. والكبير والصغير، نراهم في المجالس الحسينية والحزن يرتسم على وجوههم، هم يحضرون بآداب وتعظيم لقدسية المكان، فكن على يقين أيها العاشق المحب للحسين بوجود الرسول وآل بيت الرسول أهل العصمة والطهارة - صلوات الله وسلامه عليهم - يرونك ويسّمعون معك ويبكون على مصيبة سيد الشهداء ويرددون معك ياحسين ياحسين .. من هنا ينبغي عليك أيها المؤمن الموالي أن تهيأ نفسك قبل حضورك المجلس الحسيني بأن تكون على طهارة .. طهارة القلب والبدن ونظافة الثياب، والاستعداد الروحي والخشوع، وعدم الاشتغال بما لا نفع فيه، فأحسن التعامل مع هذه الأماكن المقدسة لكي تزداد توفيقًا، إنها نعمة كبيرة من الله وفاتحة خير ورحمة واسعة لا ينالها إلا ذو حظ عظيم فلا يفوتك هذا النصيب الأوفر من العطاء الحسيني .
-- مستوى الخطابة تختلف من عصر إلى آخر، ومن مجتمع إلى سواه .. وحين يكون لأهل البيت المعصومين عليهم السلام، فإنه يجب على الخطيب الذي سيرتقي المنبر الحسيني؛ إعطاء المجلس حقه في نشر الثروة الهائلة من تراث أهل البيت عليهم السلام المعرفي على أوسع نطاق، بذكر سيرتهم وفضائلهم ومناقبهم وآرائهم ومعارفهم ومواقفهم ووفياتهم، وبيان ظلاماتهم، ونحو ذلك، مما يوجب التبصر بمقامهم الرفيع .. ونشر الغنى الروحي بالثقافة الدينية، ويمكن القول بجزم ويقين: إن الحسين عليه السلام يشكل قيمة معنوية ومعرفية كبرى للمجتمع البشري في مختلف العصور .. هناك عطش وشوق عند رواد القيم الإنسانية لقراءة وسماع الفكر الحسيني.
-- كثيرون جدًا من خطباء المنبر الحسيني مِمّنْ يشار إليهم اليوم بالبنان، نخبة لهم حضور وعطاء، نرى بعض المؤمنين يقصدون الخطيب الذي يملك الموهبة والقدرة والإمكانات ويتقن النعي، بينما البعض الآخر يتجول ببصره وفؤاده، بحثًا عن الخطيب الذي يطرح قضايا تلامس واقع المجتمع، وهناك من لا يزال على شكله التقليدي المتعارف عليه، ومن هذا وذاك يتمكن الخطيب من كسب قلوب المستمعين والأخذ بلبابهم !! من حسن التوفيق أن نرى إنتشار المجالس الحسينية وكثرتها وتميزها وتنوعها.وأزدحامها في مجتمعنا القطيفي المؤمن،
-- الآن وفي أجواء كثرة وتداخل مجالس العزاء الحسيني في مجتمعاتنا والتي قد تؤدي إلى حدوث خللٍ في بعضها، ولكي تصبح مجالسنا عامرة بالمؤمنين، يلزم التنسيق بين أصحاب المآتم وخصوصًا المآتم المركزية في الحي أو المنطقة، واستثمار الوقت وتحديد أولوياته، المهم أمتلاء مجالسنا الحسينية حتى آخرها، لكي تتلاءم مع مكانة سيد الشهداء عليه السلام ورفعة مقامه، على آمل ذلك !!
-- تعاني بعض المآتم في منطقتنا من نقص في الحضور، وهذا له أثر كبير على وضع مجالسنا الحسينية، من المؤسف حقيقة أن نرى قسمًا من المؤمنين يستثقل حضور المجلس الحسيني في منطقته وبجوار بيته، ويكتفي بمتابعة مجلس وأحد أو أكثر من خلال البث المباشر أو عبر قنوات التواصل، مع أن الوقت والجهد اللذين يصرفهما لهذه الشعيرة العظيمة فيها من الأجر العظيم والثواب الكبير التي تقودنا إلى نعيم الله ورضوانه، فهي من أفضل العبادات وأعظم التجارات التي لا يحصى فضلها، إن إحياء ذكرى عاشوراء وذكرى المعصومين عليهم السلام من أهم ما يلزم، وذلك لأجل سعادة المؤمن في دنياه وآخرته، قال تعالى:{ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} سورة الحج:الآية ٣٢.
-- في مجال الإطعام ؛ وهي من الشعائر الحسينية المتعارف عليها في مناسبات أهل البيت عليهم السلام، يتم توزيع الطعام باسم صاحب المناسبة، جاء في الحديث الشريف: « إن الله يحب إطعام الطعام » لكن يجب علينا أن نستحضر قيمة هذا العطاء الحسيني، فوجود المضائف الحسينية نعمة نشكر الله عليها، إن من المحزن أن نرى كميات كبيرة من الأطعمة التي توزع في مثل هذه المناسبات تؤول مصيرها إلى حاويات القمامة. كون كل مؤمن قد يأخذ كميات تفوق الغرض الذي وزع الطعام من أجله، ينبغي على الجميع الإكتفاء بما يقدم لهم دون طلب المزيد ..
-- يعاني بعض المؤمنين من عدم حضور القلب، وتشتت الفكر في المجالس الحسينية بسبب الفراغ الروحي - اعاذنا الله وإياكم منه - فلا بكاء ولا صرخة وحتى الدمعة لا تستجيب لهول ما جرى للحسين عليه السلام، ويعرفه البعض بـ " قسوة القلب " فالمؤمن السويّ يتمتع بحضور الذات ويقظة الضمير وصفاء العقل والوجدان. خصائص تجنب صاحبها أضرارًا، مردها أننا نعيش في عصر متخم بالمتغيرات، كمًا أو كيفًا، فقدنا الحسّ المرهف وشفافية النفس وحب الناس، بسبب الابتعاد عن الله عز وجل والإغراق في طلب الدنيا. المؤمن يستقبل عاشوراء بالحزن والدمع الذي يخترق حواجز العينين لحظة ذكر الحسين عليه السلام. وعند المصيبة تهتز الأبدان بكاءً وترتجف القلوب حزنًا !!
-- كلمة أخيرة أختم بها هذه الخاطرة، أرجو أن يكون الطرح مجرد الرغبة إلى الأفضل، وأسأل الله عز وجل أن يحقق به ما قصدت، وألتمس العذر ممن لم يرقْه بعض ما جاء فيها.
-- نبكي ونذرف الدمع السخين على أهلنا وأحبتنا وأبناء مجتمعنا كانوا بيننا وأمام أعيننا وفجأة وفي غمضة عين غادرونا، اللهم أرحمهم وأجعل قبورهم خير مسكن تغفو به أعينهم حتى تقوم الساعة وارحمنا إذا صرنا إلى ماصاروا إليه. والصلاة والسلام على نبينا المصطفى خاتم الرسل وعلى آل بيته الطيبين الأطهار .
~ جمعة حسينية حزينة ~
~ مأجورين ومثابين ~
_________
-- البكاء على الحسين عليه السلام، عنوان من عناوين الولاء والعشق، وما الدموع إلا مظهر ومؤشر لتجلي الهيبة والمخافة والحب في قلب المؤمن .
نشارككم الأحزان والمواساة/ منصور الصلبوخ.

تعليقات
إرسال تعليق