🔹البنية الشعائرية تجل لمشروع الإصلاح الحسینی🔹 / سماحة الشيخ الدكتور إسماعيل المشاجرة


🔹البنية الشعائرية تجل لمشروع 

الإصلاح الحسینی🔹

 سماحة الشيخ الدكتور إسماعيل المشاجرة

الليلة الأولى  محرم 1446 هـ

🖊️🖊️🖊️فريق صدى المنبر     🖌️تحرير: حكيمة آل حماد

ورد عن الإمام الحسين في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية:

( وأسير بسيرة جدي رسول الله  وسيرة أبي علي بن أبي طالب) 

يتضمن هذا المقطع ثلاث ركائز أساسية في مشروع الإمام الحسين وحركته، وهذه الركائز الثلاثة هي التي سنجعلها منطلق لحديثنا خلال هذا الموسم وخلال هذه المحاضرات المعدة للأيام الأولى من شهر محرم الحرام.

1️⃣ الركيزة الأولى: التأكيد على الهوية.

  أكد الإمام الحسين(ع) على هويته و انتمائه وشخصيته؛ فهو الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله؛ ورسول الله جده، وهو الحسين بن علي بن أبي طالب، إذن الإمام الحسين يموضع نفسه بين الثقلين الأساسيين في تاريخ الإسلام وحركته ؛ الثقل الأول رسول الله رجل المشروع الأول نبي هذه الأمة والمؤسس لرسالتها، والثقل الثاني الإمام أمير المؤمنين الشخصية الثانية في الإسلام بعد رسول الله،فهويته وانتماؤه بين انتمائين؛  الانتماء للنبوة من جهة والانتماء للإمامة والوصاية من جهة أخرى.

2️⃣ الركيزة الثانية: التأكيد على المرجعية.

 يريد الإمام الحسين أن يتحرك و نصب عينيه مرجعية أساسية في حركته. 

تمثل سيرة النبي وسيرة أمير المؤمنين الانتماء والهوية والمرجعية التي يرجع إليها الإمام الحسين، والتي يحيل إليها مشروعه وحركته.

3️⃣ الركيزة الثالثة: الإصلاح.

يريد الإمام الحسين أن يمارس إصلاحا عميقا وجوهريا في هذه الأمة من خلال سيره على سيرة جده وأبيه ؛ والإصلاح هو القناة التي تصل بين الهوية والمرجعية، فهويته ومرجعيته هي سيرة النبي وسيرة أمير المؤمنين تحتاج إلى حبل يربط بينهما وإلى قناة تصل بينهما، هذه القناة وهذا الحبل الذي يريده الإمام الحسين هو قناة الإصلاح، والإصلاح هو خط الإنتاج الذي يصل المرجعية التي ينطلق منها الإمام الحسين والهوية التي يعرّف الحسين بها نفسه،  فبدون مرجعية تغذي شخصية الإمام الحسين وهويته لا يمكن للإصلاح أن يتشكل. 

نحن بصفتنا أمة ننتمي إلى مشروع الحسين و إلى مشروع رسول الله إذا أردنا أن نحمي هويتنا يجب أن نركز على مرجعيتنا، مرجعيتنا هي إنتماؤنا، هناك هوية لهذه الأمة ومرجعية خاصة، ومن دون التأكيد على المرجعية التي تنتمي إليها هذه الأمة ومحاولة تنقيتها، لا يمكن لهوية هذه الأمة أن تنحفظ. 

———————

وللتأكيد على هذه الركائز سنتحدث في محاور ثلاثة:

  1️⃣ المحور الأول: الهوية.

 هناك طرح معمق لحقيقة الهوية يطرحه العلماء والمفكرون وعلماء الإسلام بشكل عام على مر التاريخ، فقد كانوا يؤكدون على الهوية الإسلامية وهوية الانتماء. 

✨إذا أردنا أن نعرّف الهوية فيجب أن ننطلق في تعريفها من جانبين؛ جانب لغوي وجانب اصطلاحي فكري فلسفي.

✨من الجانب اللغوي  اللفظ الأصح هو الهُوية وهو مصدر صناعي من لفظ  (هو) ضمير المفرد الغائب.

 ويشير هذا المصدر الصناعي إلى الشخصية الفردية، فحينما نقول بأن هوية فلان كذا إنما نقول بأن شخصيته والسمات التي يمتاز بها عن غيره من سائر الناس هي كذا وكذا. 

🔸أما من الجانب الاصطلاحي والفكري قهناك عدة تعريفات نقتصر منها  على التعريفات المعاصرة.

📌الهوية في عرف القدماء من الفلاسفة والمفكرين تؤكد على حالة الفرادة والتميز، لكن علماء الاجتماع المتأخرين يأخذون لفظة الهوية إلى آفاق أبعد، فيقولون كما أن للفرد هوية خاصة كذلك للمجتمع وللأمة هوية خاصة.

🔸الهوية لها ثلاثة مستويات؛

✨المستوى الفردي الهوية الفردية شخصيتك الخاصة التي تمتاز بها عن غيرك من أفراد مجتمعك، 

✨وهناك الهوية المتوسطة يعني هوية على مستوى مجتمع أكبر قليلا من الفرد كالهوية القبلية أو الهوية الوطنية، فأحيانا تعرف عن نفسك من خلال انتمائك القبلي وأحيانا تعرف عن نفسك من خلاله انتمائك الوطني،  

✨وهناك المستوى الثالث من الهوية نسميه هوية الأمة، وأحيانا يكون هوية هذه الأمة المائز الأساس لها هو عقيدة خاصة وانتماء ديني خاص كما نتحدث عن الأمة الإسلامية، فنقول بأن للأمة الإسلامية هوية خاصة تميزها عن سائر الأمم قوامها أمران: 

✨الدين الذي تنتمي إليه هذه المجتمعات كلها وهو الإسلام، والعادات والتقاليد والثقافة التي تشترك فيها المجتمعات الإسلامية، 

فالدين امتزج مع أعراف مختلفة ومتنوعة على مر العصور فشكل ثقافة خاصة تسمى الثقافة الإسلامية، هذه الثقافة الإسلامية تتضمن جانب ديني وتتضمن أيضا عادات وتقاليد مستقاة في كثير من الأحيان من الدين.

🔸فحينما نقول بأن هناك هوية إسلامية، فنحن نريد أن نركز على جانبين: 

🔹الجانب الأول الانتماء للدين ولتعاليمه ولقيمه ولمبادئه،

🔹والجانب الآخر الانتماء إلى العادات والتقاليد التي تُستقى من الدين، وهي ذات طابع اجتماعي وجغرافي،لذلك قد تجد فيها اختلافا بسيطا بين المجتمعات الإسلامية التي يجمعها دين واحد.

 📌حينما نقول بأن هناك هوية نريد أن نحافظ عليها من خلال بيان مرجعيتها وتنقية مرجعيتها، فنحن نقصد هوية الامة، هوية الانتماء لهذا الدين، لا الهوية الفردية ولا الهوية التي عبرنا عنها بالهوية المتوسطة الناشئة عن انتماء قبلي أو انتماء جغرافي خاص.

📌أكد علماء الاجتماع الذين تحدثوا عن الهوية الإسلامية أنها تستمد بقاءها من عنصرين: 

▪️العنصرالأول التاريخ؛ أمة بلا تاريخ فاقدة للهوية كما يقول عالم الاجتماع الدكتور نديم بيضاء و ويضيف: "الهوية بلا تاريخ ليست هوية خصوصا حينما نتحدث عن هوية أمة إسلامية، الهوية الإسلامية لا يمكن أن تتشكل من دون تاريخ إسلامي". 

حضور التاريخ مهم جدا في تأكيد حالة الانتماء لهذه الأمة والانتماء لهذا الدين، ومغذٍ أساس لهذه الهوية.

 ▪️العنصر الثاني: القيم والمبادئ الإسلامية التي تؤمن بها هذه الأمة، ومن دون هذه القيم والمبادئ لا يمكن للهوية أن تتشكل. 

النقطة التي تعد عامل مساعد لهذين الأمرين هي التنشئة؛ الأمة التي تنشئ أفرادها على تعزيز هذين العنصرين ، التاريخ  والقيم الدينية، تحافظ على هويتها. أما الأمة التي تتباعد عن قيمها ومبادئها التي تؤمن بها سرعان ما تتفكك هويتها، 

✨فالتنشئة على المبادئ والقيم الإسلامية أمر مهم للحفاظ على الهوية الإسلامية، والتنشئة على الجانب التاريخي يعني عدم التنصل من التاريخ ورمي التاريخ وراء ظهورنا. 

✨التنشئة على الجانب التاريخي بتعزيز القيم والمواقف والأحداث التاريخية أمر مهم للحفاظ على الهوية.وفي عاشوراء الحسين وإحياء أحداث الحسين في المآتم نركز على هذين العنصرين؛ أولهما القيم الدينية التي آمن بها الإمام الحسين وانطلق منها وضحى بنفسه وأراق دمه الطاهر من أجلها. 

ضحى الإمام الحسين من أجل  الدين ،فحينما نحتفل بأيام الإمام الحسين فنحن نحيي القيم والمبادئ التي تحرك الحسين من أجلها.

✨وثانيهما إحياء التاريخ والواقعة والحدث، وإحياء لكل المفاصل والمراحل التاريخية التي عايشها الامام الحسين انطلاقا من حركته حينما خرج من المدينة المنورة إلى ما وراء هذا الانطلاق من أجل مشروع الشهادة وتاريخ ما بعد الشهادة والآثار التي تركها بشهادته.

🔸إن أيام الإمام الحسين تعزز وتحيي هذين الجانبين الجانب الديني من جهة و الجانب التاريخي من جهة أخرى، ومن الأغراض الأساسية التي يعمقها هذا الإحياء لحركة الإمام الحسين هي الحفاظ على الهوية وتعميقها؛ لأنها تستقي منابعها وروافدها من الدين والتاريخ. 

———————-

2️⃣المحور الثاني: المرجعية.

 أكد الإمام الحسين في هذا النص على أن له مرجعية ينطلق منها في حركته ومشروعه، ومرجعيته هي سيرة جده رسول الله وسيرة أبيه أميرالمؤمنين.

  المقصود من المرجعية التأكيد على حالة الانتماء، وتتضمن المرجعية حالة رجوع  ونظر، يعني أنك  تتحرك إلى الأمام وعندك عين تنظر إلى الأسس التي تنطلق منها، حركتك ليست حركة عشوائية  وليست حركة من دون إطار ومحددات، فالمرجعية يعني الحالة التي تجعل الحركة مؤطرة بحدود وأهداف وغايات، ومن دون المرجعية تصبح التنشئة غير واضحة المعالم،  فتحديدها يساهم بشكل واضح في تحديد منابع التلقي والتغذية للحفاظ على الهوية. 

————————

3️⃣المحور الثالث: الإصلاح.

 إن غرض الإمام الحسين من السير بسيرة جده وأبيه أن يصلح أحوال هذه الأمة، وسر حركته أنه رأى أن هوية الأمة عرضة للاختطاف.

 أصبح انتماء  الأمة الإسلامية للدين وإلى مشروع الرسول في أيام يزيد بن معاوية انتماء صوريا؛ فقط يرفع شعار الإسلام، لكن الممارسات التي أشاعها يزيد بن معاوية لاتمت إلى الإسلام بأي صلة، وهذا ما بينه الامام  الحسين حينما تحدث عن يزيد:

▪️( يزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله). 

▪️كان يزيد الذي يقدم نفسه على أنه خليفة للمسلمين يجاهر بهذه المعاصي، فرأى الإمام الحسين أن هوية هذه الأمة عرضة للاختطاف وبالتالي بادر بحركته ونهضته ووقوفه في وجه يزيد بن معاوية من أجل أن ينطلق في مشروعه الإصلاحي للحفاظ على هوية هذه الأمة.

🔸نحن الذين ننتمي إلى الإمام الحسين ونجتمع في كل عام من أجل إحياء مشروعه لا بد أن يكون لنا أيضا مشروع نعزز به مشروع الإمام الحسين؛ 

✨إذا كان مشروع الإمام الحسين مشروعا إصلاحيا كما صرح في وصيته:( إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح)، 

فيجب علينا نحن أتباع الإمام الحسين ومن نجتمع في كل عام من أجله أن يكون لدينا مشروع  إصلاح، وإلا أصبح حضورنا وإحياؤنا لمآتم الإمام الحسين بعيدا عن الهدف الذي تحرك لأجله، ولكي يكون هناك تطابق  بين مشروعنا ومشروعه يجب أن يكون لدينا مشروع إصلاحي يحاكي مشروعه.

🔸حينما نجتمع في أيام عاشوراء من أجل إحياء ذكرى وشهادة الإمام الحسين فإن المشروع الأساس الذي يمثل حالة التجلي لمشروع الإمام الحسين الإصلاحي هي الشعائر الحسينية فهي وظيفتنا في أيام عاشوراء. 

نتمثل مشروع الإمام الحسين من خلال الشعائر الحسينية، وبقدر ما تكون هذه الشعائر ناجحة في إحياء حالة الإصلاح الحسيني بقدر ما يحصل التطابق بيننا وبين مشروعنا ومشروع الإمام الحسين، وبعبارة واضحة الشعائر الحسينية هي مرآة لحركة الإمام الحسين؛ فمتى ما كانت هذه الشعائر تؤدي دورا إصلاحيا في هذه الأمة فمعنى ذلك أن هناك تطابق بين مشروعنا ومشروع الإمام الحسين، ومتى ما انحرفت هذه الشعائر عن طريقها الإصلاحي فمعناه أنه بدأ يحصل اختلال وافتراق بين مشروعنا ومشروعه. 

🔸▪️إن الشعائر الحسينية بشكل عام تحقق في كل عام نجاحا باهرا قل نظيره على المستوى الإسلامي العام، بل وعلى المستوى الإنساني العام. قل أن تجد شعائر تجمع ملايين البشر طوال ليالي المناسبة بحماس وبزخم ومن دون ملل وتكاسل كما يحصل في أيام عاشوراء. 

📌نحن اليوم وبعد مرور أكثر  من ألف سنة من شهادة الإمام الحسين والشعائر الحسينية لازالت تمارس دورا حراريا واضحا، فلا ريب أن هذا مؤشر نجاح باهر لهذه الشعائر وبالتالي تعكس أن مشروع الإصلاح للإمام الحسين لا زال حاضرا ولا زال متجليا في هذه الأمة أو على الأقل في هذه الثلة التي تؤكد انتمائها لمدرسة الحسين .

📌هناك نظريات تبين البنية الحقيقية للشعائر وكيف تتشكل في وجدان الناس نقتصر على ذكر واحدة منها يطرحها أحد المفكرين العراقيين في كتابه "تراجيديا كربلاء" يتحدث عن أن حقيقة الشعائر هي في الحقيقة ترتبط بما يعبر عن سوسيولوجيا الألم والأمل، فهو يرى أن طبيعة التكوين الاجتماعي لشيعة أهل البيت أصبحت ترتبط بشعائر الحسين، فالشيعة على مر التاريخ عاشوا حالة من الاضطهاد وحالة من محاولة الإقصاء أيام الأمويين وأيام العباسيين، والشيعة عندهم أمل أن هناك مصلح يخرج في آخر الزمان ويشيع مشروعه وبالتالي يشيع الرؤية التي تؤمن بها مدرسة الإمام الحسين. 

✅ الإمام المهدي هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت ويتصل بشكل مباشر بهذه المدرسة وبالتالي يرى هذا المفكر بأن الشيعة عاشوا تاريخا عميقا من الألم ولكنهم على مر التاريخ يعيشون الأمل فإذن هم بين ألم وأمل، 

ويقول: وقد أثبتت الدراسات الاجتماعية -وهو يؤكد على نظرية لعالم اجتماع ألماني اسمه ماكس فيبر- بأن الفئات الدينية التي عاشت حالة من الأضطهاد لا يمكن أن تتجاهل حالة الاضطهاد التي عاشتها، ولذلك تلاحظ كل الأقليات الدينية التي تنتمي إلى سائر الأديان تعبر دائما في طقوسها وشعائرها الجمعية التي يجتمع أتباع هذا الاتجاه وهذه العقيدة بين فينة وأخرى من أجل إبراز معتقدهم عن حالة هذا الاضطهاد الذي مرت به. 

📌ومن هنا يقول صاحب هذه النظرية "إن شعائر الإمام الحسين تؤكد على جانبين  مهمين؛ الجانب  الأول التأكيد على حالة الاضطهاد التي عاشها الشيعة والتي تعد قضية الإمام الحسين أقصى وأعلى مشهد تاريخي لحالة الاضطهاد التي عاشها شيعة أهل البيت وعاشها أئمتهم الذين يتأسون بهم.  

ومن هنا فالاحتفاء بذكرى عاشوراء في كل عام هو تعزيز لهذا الشعور بالاضطهاد التاريخي الذي عاشه شيعة أهل البيت، وهو بمثابة تسجيل احتجاج.  

✨إن شيعة أهل البيت حينما يحيون ذكرى عاشوراء على مدى ألف سنة وزيادة إنما هو تكرار لإظهاروتأكيد مظلومية أهل البيت ومظلومية أتباعهم.

🔸أما الجانب الآخر التي تؤكد عليه الشعائر الحسينية فهو تعزيز لحالة الأمل. 

📌إن قتل الإمام الحسين لا بد أن يتعقبه أخذا بدمه وهذا ما يجعل قضية كربلاء ترتبط بقضية المهدي.

📌إن مشروع الإمام الحسين سيبقى مشروعا حيا إلى أن يتصل بمشروع الإمام المهدي وبالتالي يتحقق الأمل المنشود ويؤخذ بدمه، لكن خلال الأمل والألم لا بد أن نحافظ على حالة الإصلاح التي أوجدها الإمام الحسين بشهادته والتي  قومت اعوجاج الأمة، فالثلة التي تنتمي إلى مدرسة الإمام الحسين يجب أن توظف هذه الشعائر لمعالجة أي عوج وأي ابتعاد عن أهداف الإمام الحسين. 

▪️في عاشوراء يجب أن تمارس شعائر الإمام الحسين حالة إصلاحية على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة، 

✨فإذا كان هناك فرد يشعر أنه شطح بعيدا وابتعد عن الحسين وأهداف الحسين ينبغي أن يتخذ من عاشوراء موسما للإصلاح، 

✨وكذلك المجتمع وخصوصا الثلة التي تقدم نفسها على أنها أكثر صلة  بالحسين؛ هذه الثلة المعبر عنها بخدام الإمام الحسين يجب أن تجعل أهداف الإمام الحسين نصب عينيها، ويجب أن تزن ماتقدمه  بميزان الإمام الحسين، 

✨ولذلك رأينا أهل البيت حريصين على هذا المعنى حينما يقيمون المآتم على الإمام الحسين.

🔹والجانب الآخر الانتماء إلى العادات والتقاليد التي تُستقى من الدين، وهي ذات طابع اجتماعي وجغرافي،لذلك قد تجد فيها اختلافا بسيطا بين المجتمعات الإسلامية التي يجمعها دين واحد.

 📌حينما نقول بأن هناك هوية نريد أن نحافظ عليها من خلال بيان مرجعيتها وتنقية مرجعيتها، فنحن نقصد هوية الامة، هوية الانتماء لهذا الدين، لا الهوية الفردية ولا الهوية التي عبرنا عنها بالهوية المتوسطة الناشئة عن انتماء قبلي أو انتماء جغرافي خاص.

📌أكد علماء الاجتماع الذين تحدثوا عن الهوية الإسلامية أنها تستمد بقاءها من عنصرين: 

▪️العنصرالأول التاريخ؛ أمة بلا تاريخ فاقدة للهوية كما يقول عالم الاجتماع الدكتور نديم بيضاء و ويضيف: "الهوية بلا تاريخ ليست هوية خصوصا حينما نتحدث عن هوية أمة إسلامية، الهوية الإسلامية لا يمكن أن تتشكل من دون تاريخ إسلامي". 

حضور التاريخ مهم جدا في تأكيد حالة الانتماء لهذه الأمة والانتماء لهذا الدين، ومغذٍ أساس لهذه الهوية.

 ▪️العنصر الثاني: القيم والمبادئ الإسلامية التي تؤمن بها هذه الأمة، ومن دون هذه القيم والمبادئ لا يمكن للهوية أن تتشكل. 

النقطة التي تعد عامل مساعد لهذين الأمرين هي التنشئة؛ الأمة التي تنشئ أفرادها على تعزيز هذين العنصرين ، التاريخ  والقيم الدينية، تحافظ على هويتها. أما الأمة التي تتباعد عن قيمها ومبادئها التي تؤمن بها سرعان ما تتفكك هويتها، 

✨فالتنشئة على المبادئ والقيم الإسلامية أمر مهم للحفاظ على الهوية الإسلامية، والتنشئة على الجانب التاريخي يعني عدم التنصل من التاريخ ورمي التاريخ وراء ظهورنا. 

✨التنشئة على الجانب التاريخي بتعزيز القيم والمواقف والأحداث التاريخية أمر مهم للحفاظ على الهوية.وفي عاشوراء الحسين وإحياء أحداث الحسين في المآتم نركز على هذين العنصرين؛ أولهما القيم الدينية التي آمن بها الإمام الحسين وانطلق منها وضحى بنفسه وأراق دمه الطاهر من أجلها. 

ضحى الإمام الحسين من أجل  الدين ،فحينما نحتفل بأيام الإمام الحسين فنحن نحيي القيم والمبادئ التي تحرك الحسين من أجلها.

✨وثانيهما إحياء التاريخ والواقعة والحدث، وإحياء لكل المفاصل والمراحل التاريخية التي عايشها الامام الحسين انطلاقا من حركته حينما خرج من المدينة المنورة إلى ما وراء هذا الانطلاق من أجل مشروع الشهادة وتاريخ ما بعد الشهادة والآثار التي تركها بشهادته.

🔸إن أيام الإمام الحسين تعزز وتحيي هذين الجانبين الجانب الديني من جهة و الجانب التاريخي من جهة أخرى، ومن الأغراض الأساسية التي يعمقها هذا الإحياء لحركة الإمام الحسين هي الحفاظ على الهوية وتعميقها؛ لأنها تستقي منابعها وروافدها من الدين والتاريخ. 

———————-

2️⃣المحور الثاني: المرجعية.

 أكد الإمام الحسين في هذا النص على أن له مرجعية ينطلق منها في حركته ومشروعه، ومرجعيته هي سيرة جده رسول الله وسيرة أبيه أميرالمؤمنين.

  المقصود من المرجعية التأكيد على حالة الانتماء، وتتضمن المرجعية حالة رجوع  ونظر، يعني أنك  تتحرك إلى الأمام وعندك عين تنظر إلى الأسس التي تنطلق منها، حركتك ليست حركة عشوائية  وليست حركة من دون إطار ومحددات، فالمرجعية يعني الحالة التي تجعل الحركة مؤطرة بحدود وأهداف وغايات، ومن دون المرجعية تصبح التنشئة غير واضحة المعالم،  فتحديدها يساهم بشكل واضح في تحديد منابع التلقي والتغذية للحفاظ على الهوية. 

————————

3️⃣المحور الثالث: الإصلاح.

 إن غرض الإمام الحسين من السير بسيرة جده وأبيه أن يصلح أحوال هذه الأمة، وسر حركته أنه رأى أن هوية الأمة عرضة للاختطاف.

 أصبح انتماء  الأمة الإسلامية للدين وإلى مشروع الرسول في أيام يزيد بن معاوية انتماء صوريا؛ فقط يرفع شعار الإسلام، لكن الممارسات التي أشاعها يزيد بن معاوية لاتمت إلى الإسلام بأي صلة، وهذا ما بينه الامام  الحسين حينما تحدث عن يزيد:

▪️( يزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله). 

▪️كان يزيد الذي يقدم نفسه على أنه خليفة للمسلمين يجاهر بهذه المعاصي، فرأى الإمام الحسين أن هوية هذه الأمة عرضة للاختطاف وبالتالي بادر بحركته ونهضته ووقوفه في وجه يزيد بن معاوية من أجل أن ينطلق في مشروعه الإصلاحي للحفاظ على هوية هذه الأمة.

🔸نحن الذين ننتمي إلى الإمام الحسين ونجتمع في كل عام من أجل إحياء مشروعه لا بد أن يكون لنا أيضا مشروع نعزز به مشروع الإمام الحسين؛ 

✨إذا كان مشروع الإمام الحسين مشروعا إصلاحيا كما صرح في وصيته:( إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح)، 

فيجب علينا نحن أتباع الإمام الحسين ومن نجتمع في كل عام من أجله أن يكون لدينا مشروع  إصلاح، وإلا أصبح حضورنا وإحياؤنا لمآتم الإمام الحسين بعيدا عن الهدف الذي تحرك لأجله، ولكي يكون هناك تطابق  بين مشروعنا ومشروعه يجب أن يكون لدينا مشروع إصلاحي يحاكي مشروعه.

🔸حينما نجتمع في أيام عاشوراء من أجل إحياء ذكرى وشهادة الإمام الحسين فإن المشروع الأساس الذي يمثل حالة التجلي لمشروع الإمام الحسين الإصلاحي هي الشعائر الحسينية فهي وظيفتنا في أيام عاشوراء. 

نتمثل مشروع الإمام الحسين من خلال الشعائر الحسينية، وبقدر ما تكون هذه الشعائر ناجحة في إحياء حالة الإصلاح الحسيني بقدر ما يحصل التطابق بيننا وبين مشروعنا ومشروع الإمام الحسين، وبعبارة واضحة الشعائر الحسينية هي مرآة لحركة الإمام الحسين؛ فمتى ما كانت هذه الشعائر تؤدي دورا إصلاحيا في هذه الأمة فمعنى ذلك أن هناك تطابق بين مشروعنا ومشروع الإمام الحسين، ومتى ما انحرفت هذه الشعائر عن طريقها الإصلاحي فمعناه أنه بدأ يحصل اختلال وافتراق بين مشروعنا ومشروعه. 

🔸▪️إن الشعائر الحسينية بشكل عام تحقق في كل عام نجاحا باهرا قل نظيره على المستوى الإسلامي العام، بل وعلى المستوى الإنساني العام. قل أن تجد شعائر تجمع ملايين البشر طوال ليالي المناسبة بحماس وبزخم ومن دون ملل وتكاسل كما يحصل في أيام عاشوراء. 

📌نحن اليوم وبعد مرور أكثر  من ألف سنة من شهادة الإمام الحسين والشعائر الحسينية لازالت تمارس دورا حراريا واضحا، فلا ريب أن هذا مؤشر نجاح باهر لهذه الشعائر وبالتالي تعكس أن مشروع الإصلاح للإمام الحسين لا زال حاضرا ولا زال متجليا في هذه الأمة أو على الأقل في هذه الثلة التي تؤكد انتمائها لمدرسة الحسين .

📌هناك نظريات تبين البنية الحقيقية للشعائر وكيف تتشكل في وجدان الناس نقتصر على ذكر واحدة منها يطرحها أحد المفكرين العراقيين في كتابه "تراجيديا كربلاء" يتحدث عن أن حقيقة الشعائر هي في الحقيقة ترتبط بما يعبر عن سوسيولوجيا الألم والأمل، فهو يرى أن طبيعة التكوين الاجتماعي لشيعة أهل البيت أصبحت ترتبط بشعائر الحسين، فالشيعة على مر التاريخ عاشوا حالة من الاضطهاد وحالة من محاولة الإقصاء أيام الأمويين وأيام العباسيين، والشيعة عندهم أمل أن هناك مصلح يخرج في آخر الزمان ويشيع مشروعه وبالتالي يشيع الرؤية التي تؤمن بها مدرسة الإمام الحسين. 

✅ الإمام المهدي هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت ويتصل بشكل مباشر بهذه المدرسة وبالتالي يرى هذا المفكر بأن الشيعة عاشوا تاريخا عميقا من الألم ولكنهم على مر التاريخ يعيشون الأمل فإذن هم بين ألم وأمل، 

ويقول: وقد أثبتت الدراسات الاجتماعية -وهو يؤكد على نظرية لعالم اجتماع ألماني اسمه ماكس فيبر- بأن الفئات الدينية التي عاشت حالة من الأضطهاد لا يمكن أن تتجاهل حالة الاضطهاد التي عاشتها، ولذلك تلاحظ كل الأقليات الدينية التي تنتمي إلى سائر الأديان تعبر دائما في طقوسها وشعائرها الجمعية التي يجتمع أتباع هذا الاتجاه وهذه العقيدة بين فينة وأخرى من أجل إبراز معتقدهم عن حالة هذا الاضطهاد الذي مرت به. 

📌ومن هنا يقول صاحب هذه النظرية "إن شعائر الإمام الحسين تؤكد على جانبين  مهمين؛ الجانب  الأول التأكيد على حالة الاضطهاد التي عاشها الشيعة والتي تعد قضية الإمام الحسين أقصى وأعلى مشهد تاريخي لحالة الاضطهاد التي عاشها شيعة أهل البيت وعاشها أئمتهم الذين يتأسون بهم.  

ومن هنا فالاحتفاء بذكرى عاشوراء في كل عام هو تعزيز لهذا الشعور بالاضطهاد التاريخي الذي عاشه شيعة أهل البيت، وهو بمثابة تسجيل احتجاج.  

✨إن شيعة أهل البيت حينما يحيون ذكرى عاشوراء على مدى ألف سنة وزيادة إنما هو تكرار لإظهاروتأكيد مظلومية أهل البيت ومظلومية أتباعهم.

🔸أما الجانب الآخر التي تؤكد عليه الشعائر الحسينية فهو تعزيز لحالة الأمل. 

📌إن قتل الإمام الحسين لا بد أن يتعقبه أخذا بدمه وهذا ما يجعل قضية كربلاء ترتبط بقضية المهدي.

📌إن مشروع الإمام الحسين سيبقى مشروعا حيا إلى أن يتصل بمشروع الإمام المهدي وبالتالي يتحقق الأمل المنشود ويؤخذ بدمه، لكن خلال الأمل والألم لا بد أن نحافظ على حالة الإصلاح التي أوجدها الإمام الحسين بشهادته والتي  قومت اعوجاج الأمة، فالثلة التي تنتمي إلى مدرسة الإمام الحسين يجب أن توظف هذه الشعائر لمعالجة أي عوج وأي ابتعاد عن أهداف الإمام الحسين. 

▪️في عاشوراء يجب أن تمارس شعائر الإمام الحسين حالة إصلاحية على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة، 

✨فإذا كان هناك فرد يشعر أنه شطح بعيدا وابتعد عن الحسين وأهداف الحسين ينبغي أن يتخذ من عاشوراء موسما للإصلاح، 

✨وكذلك المجتمع وخصوصا الثلة التي تقدم نفسها على أنها أكثر صلة  بالحسين؛ هذه الثلة المعبر عنها بخدام الإمام الحسين يجب أن تجعل أهداف الإمام الحسين نصب عينيها، ويجب أن تزن ماتقدمه  بميزان الإمام الحسين، 

✨ولذلك رأينا أهل البيت حريصين على هذا المعنى حينما يقيمون المآتم على الإمام الحسين.

المصدر :قناة صدى المنبر

تعليقات