عاشوراء عالمية انسانية
د. فؤاد محمد السني
يقول المسيحي أنطوان بارا (لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية، ولأقمنا له في كل أرض منبر، ولدعونا الناس إلى المسيحية بإسم الحسين)،
وهذا الهندوسي والرئيس السابق للمؤتمر الوطني الهندي تاملاس توندون يقول (هذه التضحيات الكبرى من قبيل شهادة الإمام الحسين رفعت مستوى الفكر البشري، وخليق بهذه الذكرى أن تبقى إلى الأبد، وتذكر على الدوام)،
وهنا الكاتب الإنجليزي كارلس السير برسي سايكوس ديكنزيقول (إن كان الإمام الحسين قد حارب من أجل أهداف دنيوية، فإنني لا أدرك لماذا اصطحب معه النساء والصبية والأطفال؟ إذن فالعقل يحكم أنه ضحى فقط لأجل الإسلام).
كلمات يجعل كل عاقل واع يتوقف عندها ، يتاملها ويتفكر فيها ولماذا قيلت وما تبعاتها؟ فتفتح الكثير من الفضاءات للتفكر و التأمل في لم وما عاشوراء الإمام الحسين (ع).�وبالرغم من المكانة العظيمة التي يحظى بها الامام الحسين ع من رسول الله ص وفي الاسلام، في الدنيا و الاخرة وفي وجدان الواعين مصداقا لما اتت به الاحاديث المروية عن رسول الله ص في حقه، ظلم سبط رسول الله ص. لكن ظالميه تعددوا وتنوع ما يقومون به من ظلم له به بدراية او بحسن نية.
ظلمه من طلب منه البيعة وهدده واجبره على الخروج من موطنه الآمن ليذهب لصحاري كربلاء. وظلمه قاتليه ومن مثلوا بجثته و من قطعوا رأسه ورفعوا رأسه على الرماح وساروا به محمولا من مكان واقعة عاشوراء الى القصر الأموي في دمشق. لقد ظلمه قاتليه بأشد وأقسى واوحش اصناف الظلم والتمثيل بجسده واجساد اصحابه، واهانوا اهله وجدهم رسول الله ص بسبي عياله ونسائه. فأي اساءة أشد لرسول الله من سبي ابنة بنته فاطمة الزهراء ع ، زينت ع؟!، و بنات حفيده الذي كان يدعوا الله له صغيرا ويؤخر قيامه من السجود من أجله؟ نعم اهينت سلالة نبي الرحمة على ايدي قاتليه و من سبى النساء وضربهم وعاملهم معاملة المسبيات من الروم او الفرس، حيث أخذوهم عبر البراري الى شتى البقاع.
ومع الفارق الشاسع، بين من ارتكبوا مجزرة عاشوراء بحق افضل وانقى واسمى من كان موجودا على الأرض من خلقه خلال عاشوراء، إلا أنه ومن كان معه عليه السلام، ظلم من قبل بعض انصاره واتباعه وشيعته بصورة أخرى ، حيث احتكروا عاشوراء لهم ولم يعطوها حقها بابراز عالميتها وإنسانيتها التي كان يتحدث بها الحسين ع في بعض مقولاته وخطبه عاد"متى استعبدتم الناس و قد خلقتهم امهاتهم احرارا" ، او "لا والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد" أو "إني لم أخرج أشرا ولا بطرا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله، أريد أن آمر بالمعروف وانهى عن المنكر"
كما ظلمه بعضهم بالاسترسال في ذكر الروايات والممارسات التي تحتاج الى الكثير من التفكر فيها قبل نقلها للناس وتداولهاـ فلربما لم يكن لها مكان من الواقع.
وظلمه من لم يأخذ حينها، موقفا واضحا من حادثة مقتله و سبي بنات رسول الله (ص)، وظلمه من لم يتناول و لم يتناقل تراثه الغني و لم يورثه للأجيال المتلاحقة.
وظلمه من حاول أن يخفي ما تمتليء الكتب به من أحاديث النبي (ص) المنقوله منه و المنقولة عنه في حق الامام الحسين ع بعدم تداولها احيانا وتحوير معانيها وتسطيحها احيانا اخرى.
وظلمه بعض من "اجتهد" ، تحت عناوين احياء عاشوراء، فادخلوا على ممارسات الاحتفاء بعاشوراء ممارسات ابعد ما تكون عن القبول والرضى من اكثر الناس واقرب لان تكون عامل نفور وابتعاد عن معاني عاشوراء الناصعة والجاذبة للانسان. وظلمه من قلب الحقائق وشوه صورة عاشوراء بشتى الطرق مبررا للقتلة والظلمة قتلهم وتمثيلهم ونحرهم وسبيهم وتنكيلهم ،ليصل ببعضهم ان يتجراء ليقول "الحسين خرج على إمام زمانه"، أو ان " خروج الحسين فيه مفسدة".
وكثير من محاولات التشويه والتحريف التي اصبحت اكثر وضوحا واوسع انتشارا في تداولها مع وجود التقنيات الحديثة للتواصل.
وظلمه بعض بحسن نوايا حاولوا ، خلال السنوات الاخيرة، الارتقاء بالمنبر والصعود به لمواقع عالية وزوايا ليست مأهولة بالناس بتبنيهم منهجا جديدا لمعالجة ما شخصوه حاجة للمجتمع. ويتلخص منهجهم هذا بتطبيع استخدام مفردات ومصطلحات واسماء غريبة عن المجتمعات المحلية والاستفادة من دراساتهم التي قاموا بها في بلدانهم ومحاولة الاستفادة منها. هنا العنوان العام جميل لكن عند النظر في التفاصيل نجد اننا دخلنا متاهة تبرز فيها تحديات عدة يصعب التعايش معها. فالعنوان الذي يقتنع به الجميع ان ليس كل ما ينتجه الغرب قابل للتبني هنا! بل يمكن ملاحظة ان العلوم الصرفة يمكن ذلك تسامحا، والاستشهاد بها والاستفادة منها مع اخذ الاحتياط في المصطلحات والمعاني والا دخلت "الفأرة" للبيوت كفأرة وليس باسم يمليه واقع مجتمعنا لو كان الحاسب نتاج جهد العرب والمسلمين. لكن الاتكاء على ما انتج الغرب في الدراسات النفسية والاجتماعية وما افرزته من ممارسات ومسلمات ومقولات لديهم ، لا يمكن ان يسقط اسقاطا مظليا على مجتمعات غيرهم ليس ببنها تداخل في القيم والمعتقدات الا ربما بعض تداخل في المصطلحات. وهنا نعتب على المختصين المسلمين القريبين من التخصصات الاجتماعية والنفسية والانسانية، وافتقار المجتمعات لابداعات دراساتهم وتوطين علوم انسانية يمكن ان تكون هي مرجعية ومصادر لمن اراد ان يرتقي بعطاء المنبر العاشورائي معتمدا على منهجية علمية واعية.
ومن كل هذه المحاولات والممارسات التي تدور في نتيجتها، بقصد من اكثرهم وبدون قصد من بعضهم، في مسار عدم انصاف عاشوراء في مكان و في زمان وفي فئة من المسلمين، و لم تعطى بعدها الإنساني و العالمي الذي انطلقت من أجله. لكن وان كتب لهذا بعض نجاح في زمان ما ومكان ما ومع بعض المسلمين وربما مع بعض غير المسلمين، الا ان ما نشهده اليوم، ومع حسن استثمار التقنيات الحديثة من قبل الواعيين بمعاني ومقاصد عاشوراء ، ان مقولة "كل ارض كربلاء"، تتجسد اكثر وبشكل حضاري لدى الكثير من المحتفين بعاشوراء. فنداء " لبيك يا حسين"، تكاد تسمعه بكل لغات العالم ومجالس عاشوراء تعقد في كل الدنيا. ولعلنا نرى بعضا ممن يرتقي منبر عاشوراء في القادم من الايام ممن هم خارج التأطير المذهبي ليكون متاحا لغيرهم من المسلمين ومن غير المسلمين بل من كل الديانات، ونقرأ لاشخاص منصفين لعاشوراء كمن اتت اسماء بعضهم في بدايات الحديث هذا ، فعاشوراء هو حدث عالمي وانساني منا يجعله متاحا للجميع للحديث فيه وعنه بموضوعية وانصاف.
مأجورين مثابين

تعليقات
إرسال تعليق