#خاطرة _الجمعة « هل نحترم أولادنا ؟ »

 


#خاطرة_الجمعة « هل نحترم أولادنا ؟ »
 

سؤال قد يبدو وجيهًا عند البعض، وقد يبدو غريبًا عند البعض الآخر، ذلك أننا جميعًا نحب أولادنا، وأما احترامنا لهم فأمر نتوقعه نحن منهم، وليس العكس .

إن النظرة السابقة تمثل رأي الغالبية من الآباء، وهي نظرة تستند إلى مبدأ التبعية، والاعتراف بالجميل، مفترضة أن احترام الآباء هو مفروض، وواجب مقدس على الأبناء أن يؤدوه طواعية أو كرهًا .

إن أحدًا في مجتمعنا لا ينكر على الآباء مثل هذا الحق، ولكنه احترام يجب أن يقوم على مبدأ التبادل، وليس على التبعية المطلقة.

إن معرفتنا بأبنائنا وخصائصهم تتطلب كذلك منا مراعاة مشاعرهم، واحترام أحاسيسهم، فلا نزج بهم في موقف يجدوا الحرج فيه، أو يخدش كبريائهم، أو يسيء إلى معنوياتهم، وهذا من شأنه أن يمنع أي عمل نقوم به قد يفسر على أنه تحد لأحاسيسهم وشعورهم، لأن من شأن أي تحد بيننا أن يعكر صفو علاقتنا معًا، ويدفع الأبناء إلى أن يقابلوا التحدي بتحد آخر مثله، وهذا أمر طبيعي، وهو عامل دفاعي للمحافظة على فرديتهم واستقلاليتهم .

إن ما سبق لا يعني أن نؤيد الأبناء في كل تصرف من تصرفاتهم، أو نبارك كل خطوة من خطواتهم، ولكنهم إن أساؤوا التصرف هيأنا الظروف المناسبة لمناقشتهم ومحاولة إقناعهم بما ارتكبوا من خطأ، ومن ثم نعمل على توجيههم وإرشادهم، دون أن نسمعهم كلمة نابية، أو نشتد في لومهم، أو نعاقبهم عقابًا لا يشعروا معه بعدالة إجرائنا، فالخطأ لا يبرره الخطأ، وقد تكفي لحل المشكلة إشارة منا تدل عن عدم رضانا عن تصرفاتهم ليقلعوا عنه، أما إذا حاولنا جرح كبريائهم، أو فرض الهيمنة عليهم، تولدت عندهم روح التمرد، ولجأوا إلى تكرار الحادث، وكان ذلك إشارة إلى وجوب احترامهم كأفراد لهم كيانهم الخاص وشخصيتهم المستقلة، وما على الغير إلا أن يقروا بذلك ويعترفوا به .

إن مهمة الأبوين ليست في تقصي أخطاء أبنائهم، وتعمد إظهار عيوبهم، أو التشهير بهم، وإنما هي العمل على علاج مشاكلهم والحيلولة دون وقوعها ثانية في الخطأ، وأن ننظر إلى ما فيه من نقائض نظرة تتصف بالاعتدال والواقعية، وغايتها الإصلاح وليس التشهير أو التشفي، ومن ثم الإبقاء على روحهم المعنوية بدرجة معقولة حتى لا يصاب بعقدة النقص .

إن البعض منا يكلف إبنه بما لا يطيق، ويطلب منه أن يكون عنا نسخة طبق الأصل، يتقمص شخصيتنا وسلوكنا، فهذا أمر يتنافى وطبيعة الإنسان الذي خلقه الله متميزًا عن غيره، وإن كان يشارك هذا الغير في كثير من الصفات والحاجات .

إن البعض منا يتصرف تصرفات مع أبنائه هي أبعد ما تكون عن التعقل والحكمة، وتسوء تصرفات الأبناء نتيجة تلك البلبلة والاضطراب .

إن الأب في هذه الحالة يتصرف كحق من حقوق الأب على أبنه، فإذا كان ولدك منك فلا بد أن تعامله معاملة تحفظ فيها حقوقه، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله : « لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما » .

قد يعترض البعض على مفهوم القبول بأحقية الأبناء في الاختلاف مع الآباء، وكمجتمع يبدو لي أننا لم نخرج بعد من مجتمع السلطة الأبوية المفروضة على الأسرة، سلطة الأب في المنزل .. سلطة يفرضها الأب على أبنائه من دون أن يتيح لهم فرصة إبداء وجهة نظرهم، وقليل منا من يتيح لنفسه فرصة الإصغاء إلى صوت أبنائه وآرائهم حتى في قضايا المنزل المشتركه، وما يحدث هو أن الأب يفرض سلطته ذات الإتجاه الرأسي .. وغالبًا ما تتسم أوامر وتعليمات الآباء على أنها مفاهيم مقدسة .

يميل الآباء إلى فرض آرائهم على أبنائهم، في صيغة أوامر، لكي يصبح ابناؤهم مطيعين لهم، ولا يضعون غير هذا الهدف لعلاقتهم مع أولادهم، وهذا هو الخطأ بعينه، تسلط الأب وفرض رأيه على الأبناء على شكل طاعة عمياء ليست هدفًا، بل ينبغي أن يكون الهدف هو الحوار المتزن، وليس على شكل أوامر وتعليمات، فالأبناء ليسوا أطفال بحاجة إلى تربية بل هم كبارًا وواعين، والنصح الأبوي لا بد أن يتسم بالملاطفة والكلمات الناعمة لكي يسمع الأبناء الآباء ويطيعوهم .

أغلب الآباء - للأسف الشديد - يتعاملون مع أبنائهم بالصراخ على كل شاردة وواردة، وعلى كل تصرف من الأبناء .. الأبناء في هذا العصر لهم سلوك وتصرفات وطريقة تفكير تختلف عن الآباء، لذلك نرى اسلوب التوبيخ والتقريع لا يحل أزمة أو قضية، ولا تلقى الاستجابة المتوقعة، إن أكثر المتاعب التي تمر على الآباء هي المغالاة في القسوة والصرامة في علاقتهم مع الأبناء إلى حدٍ قد تصل إلى المحظور الديني . 

أن مساعي الألفة بين أفراد الأسرة تشهد اليوم تعثرًا أكبر من ذلك الذي واجهته الأجيال السابقة، والخيبة تكاد تطغى اليوم على الرضى عند الآباء والأبناء . من هنا بدأ التساؤل حول تعامل الآباء مع الأبناء وما تواجهه اليوم من قطيعة الأرحام . فترى الشاب على خصام مع أبيه سنوات، قال تعالى: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ } .

قبلًا ، كانت سلطة الأب صانعة القرارات والمسيطرة تمامًا على كل شيء .. فهل ما زالت الحاجة ماسة إلى استمرار مثل هذه السلطة ..؟

ما ينبغي التنبّه إليه في موضوع سلطة الأب هو الحذر من الضغط على الابن، فتظن أنك تمارس حقوقك تجاه من تعولهم، فكثير من الآباء يتصرفون على أساس أن لديهم سلطة على أبنائهم، وهذه السلطة - في نظرهم - ناتجة عن الشعور بملكية هذا الابن الذي كان الأبوان سببًا في مجيئه إلى الدنيا .

نخلص مّما تقدم .. ينبغي بناء علاقة على أساس الإحترام المتبادل .. إذ ينبغي أن أحترام أبني أولًا قبل أن أتوقع منه إحترامي: أحترام رأيه، مشاعره، قدراته، أعترف به كيانًا مستقلًا، أعطيه فرصة لحلّ مشكلاته، حتى حين أضع قانونًا يتعارض ورغبته فإن عليّ أن أحترم غضبه وأشرح له الأسباب، وبمثل هذه الوسائل نصنع شابًا مسؤولًا قادرًا على التفكير والحكم على الأمور .

-- الحمد لله الذي ندعوه فيجيب، ونسأله فيعطي، ونستغفره فيغفر، ونستغيثه فيغيث رغم غناه عنا، والرحمة والغفران لموتانا وموتى المؤمنين والمؤمنات، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين  .

 طابت جمعتكم بالصلاة على محمد وآل محمد 

__________

-- غياب الحوار بين الآباء والأبناء من أهم أسباب الخلل في الروابط الأسرية، والسلطة ليست حلًا، والتركيز على السلبيات في تصرفات الأبناء، والنقد المتواصل لسلوكياتهم، والتقليل من شأنهم .. كل ذلك أخطاء مركبة، تترك آثارًا سيئة وتجعل السلطة مجرد ضاغط  - ولكن - غير مؤثر ..!

محبكم الراجي دعاءكم/ منصور الصلبوخ.

https://qatifnewsweb.blogspot.com/2026/06/blog-post_04.html

https://x.com/Qatif_news/status/2062541052544786577

https://www.facebook.com/share/p/19YBAWhh2K/


تعليقات